د. أحمد جلال شقوير دكتوراه التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر
من أعظم ما ندب الحق جلَّ شأنه إليه عباده المؤمنين: التواصي بالحق، والنصح للخلق، قال تعالى: “وَتَوَاصَوْا بِالْـحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ” [العصر:٣].
ومع مقدم هذا الشهر العظيم، أوصي نفسي وإياك_أيها الصائم الحبيب_ بهذه الوصايا؛ لنربح معًا بتلك الفرصة العظيمة: فابدأ بالنِّيَّة الصَّافية، وكن حريصًا على حضور قلبك أوَّل رمضان، بل في كل عبادة؛ فأخطر ما يواجه الإنسان في رمضان هو تحويله إلى قائمة مهام: صيام، قيام، ختمات دون حضور القلب الذي هو موضع نظر الله، وعليه يدور قبول العمل أو رده. واعلم أن نقصان الأعمال مع زيادة الصدق، خير من كثرتها بلا أثر. فربّ عبادةٍ صغُرت في عين صاحبها، عظُمت عند الله بصدق النيّة وحضور القلب. قال ﷺ: “إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى”[متفق عليه]. وتذكر دائمًا أن بداية كل صيام هي تبييت النية قبل الفجر، خالصًا لله وحده.
وأحيِ سنّة التهنئة بقدوم الشهر الكريم؛ فقد كان حبيبك ﷺ يبشّر أصحابه بقدوم شهر رمضان المبارك، ويعلن لهم أن هذا الشهر موسم رحمة وبركة، فيقول: “قدْ جاءَكمْ شهرُ رمضانَ، شهرٌ مباركٌ افترضَ اللهُ عليكُمْ صيامَهُ، يفتحُ فيهِ أبوابُ الجنةِ، ويغلقُ فيهِ أبوابُ الجحيمِ، وتغلُّ فيهِ الشياطينُ، فيهِ ليلةٌ خيرٌ مِنْ ألفِ شهرٍ، مَنْ حُرِمَ خيرَها فقدْ حرِمَ” [رواه أحمد]. وفي هذه الكلمات، دعوة صادقة إلى إشاعة الفرح والسكينة بين القلوب، وإحياء سنة التهنئة بقدوم شهر الرحمة، حتى يتسلل نور هذا الشهر إلى النفوس، وقد اعتبر بعض أهل العلم هذا الحديث أصلاً في تهنئة الناس بعضهم بعضا بقدوم الشهر.
وكن حريصًا على السّحور قبل الفجر ولو بجرعة ماء؛ فالسّحور سنة حبيبك ﷺ في شهر رمضان، قال: “تسحَّروا؛ فإن في السَّحور بركةً” [البخاري ومسلم]. وكان من هدي حبيبك ﷺ: تأخير سحوره، وكان يقول: “لا تزالُ أُمَّتِي بخيرٍ ما عجَّلُوا الفِطرَ وأخَّرُوا السُّحورَ” [أخرجه أحمد]. ومن بركته: أنه يعين الصائم ويقوّيه على الصيام في النهار والعبادة؛ فلا يتعب، وعلى الاستيقاظ في آخر الليل فيغتنمه بالدعاء والاستغفار، ثمَّ على حضور صلاة الفجر جماعة.
وقم بترتيب أولوياتك؛ فلا تبدأ رمضان بالاهتمام بالنوافل، وتهمل الفرائض، بل قدِّم الأصول على الفروع، وابدأ من حيث يبدأ البناء الصحيح؛ فلا تُزيَّن الجدران قبل تثبيت الأعمدة. فكن محافظًا على الصلاة في أوقاتها، فهي ميزان الاستقامة، وأول ما يُسأل عنه العبد، وأدِّ الحقوق، وردّ المظالم؛ فما قُبل عملٌ تعلّق بذمّة، ولا زكَّت العبادة قلبًا ظَلَم أو قَصَّر. ثم بعد ذلك، أكثر من النوافل ما استطعت؛ فالفرائض عماد الدين، والنوافل زينة، ولا تغني الزينة عن أساسٍ مهدوم. في صحيح الإمام البخاري قال ﷺ: (يقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: “ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليْهِ…”). ولا تفرِّط في التبكير إلى المسجد ما استطعت.
وانتبه لأغلى وأثمن وأسمى ساعتين؛ ففي رمضان لا تتساوى الساعات، بل جعل الله فيه لحظاتٍ مُحمَّلة بالفضل، مهيّأة للإجابة، تُضاعَف فيها الأجور، وتُفتح فيها أبواب القَبول. والفطنة ليست في كثرة العمل، بل في اختيار الوقت الذي يُبارَك فيه العمل، لا سيما ساعة السحور؛ فهي من أشرف ساعات الليل، ساعة المناجاة، ساعة القرب من الله، قال ﷺ: “يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟” [متفق عليه]، وساعة الفطر؛ حيث ترجى إجابة الدعاء، قال ﷺ: “ثلاثة لا تردُّ دعوتُهم… والصَّائمُ حتَّى يفطرَ” [ابن ماجة].





























