
د. صالح محمد عمر
الباحث بمركز تاريخ مصر المعاصر
بدار الكتب والوثائق القومية
تتحوّل القاهرة التاريخية في ليالي رمضان إلى متحف مفتوح ينبض بالحياة، وإلى كرنفال تراثي يجمع بين الروحانيات والجمال وسط الآثار الإسلامية؛ حيث يمتزج عبق التاريخ بالأجواء الروحانية في مناطق الحسين، والسيدة زينب، وشارع المعز. حيث يزدان شارع المعز ومنطقة الحسين والمؤيد بالأنوار والفوانيس التقليدية.
وتشمل الليالي عروض التنوّرة، والإنشاد الديني والمقاهي التاريخية، والفعاليات الثقافية في بيت السحيمي، مع انتشار موائد الرحمن وتوافد الآلاف للاحتفال في أجواء تاريخية فريدة وتتميز هذه المناطق بإضاءات رمضانية متلألئة، وزحام دافئ يُجسد التراث، مع انتشار المأكولات التقليدية .

أما عن أبرز معالم ليالي القاهرة التاريخية ففي شارع المعز والذي يلقّب بالمتحف المفتوح تتزيّن واجهاته بالأنوار والحِرف اليدوية، ويتحول شارع المعز ليلاً إلى معرض حي للحضارة الإسلامية وتنتشر فيه العروض الفنية والثقافية، مستوحاة من التراث الرمضاني خاصة حول بيت السحيمي الذي يقدم أمسيات للفرق التراثية مثل “صحبة سمسمية” و”الموسيقى العربية” و”قصر الغوري للتراث وبيت الشعر، والتقاط الصور الفوتوغرافية بملابس تاريخية في شارع المعز.
أما عن منطقة الحسين وخان الخليلي فهى تعتبر الوجهة الأقدم والأشهر، حيث تنشط المقاهي التاريخية مثل قهوة “الفيشاوي” التي تقوم بتقديم المشروبات الرمضانية، وتنتشر “التخت الشرقي” والإنشاد الديني والأجواء الروحانية في صلاة التراويح، ويعد مسجد الحسين مركزاً روحانياً، حيث تمتلئ ساحته بالمصلين والزوار، كما يتزين شارع خان الخليلي بالفوانيس الملونة والزينة، والتمتع بشراء الفوانيس والسلع الرمضانية.
أما عن السيدة زينب حيث الأجواء شعبية والتي تتميز بمائدة الرحمن والخيام الرمضانية التي تفترشها العائلات. كما تشتهر ببيع “حلويات رمضان” الشهيرة مثل الكنافة والقطايف وسط احتفالات شعبية صاخبة.
باختصار توفّر هذه المناطق تجربة ثقافية وروحانية فريدة، حيث تمتزج الروائح، والأصوات، والمناظر التاريخية لتصنع ليالي لا تُنسى في قلب القاهرة، وتعد هذه الليالي مزيجًا ساحرًا بين التاريخ الفاطمي والمملوكي وبين البهجة الشعبية التي تميز شهر رمضان في مصر عن غيرها من البلاد.
مظاهر الروحانية
تمثّل الأماكن التاريخية في رمضان، مثل مناطق القاهرة التاريخية والمساجد العتيقة، مزيجًا فريدًا من الروحانية والاحتفال الشعبي من خلال صلاة التراويح والاعتكاف في محيط معماري إسلامي عريق، تقابلها أجواء احتفالية صاخبة في الأسواق المجاورة، من انتشار الفوانيس، وزينة الشوارع، وموائد الرحمن وحلقات الذكر مما يخلق تلاحمًا يجمع بين عبادة الله والبهجة الاجتماعية.
لذلك نرى أن المساجد تشهد إقبالاً كثيفًا على صلوات التراويح والتهجّد، حيث تمتلئ المساجد والساحات الخارجية بالمصلّين وحلقات الذّكر والاعتكاف وتقام سرادقات الصوفية والذّكر في المناطق التاريخية مثل مولد السيدة زينب، مما يضفي أجواء إيمانية عميقة. كما أن الطابع المعماري لهذه المساجد وما تمنحه العمارة الإسلامية القديمة شعورًا بالهدوء والاتصال بالتاريخ، مما يعزّز التأمّل والروحانية.
هذا التناغم بين الروحانية والاحتفال يجعل من شهر رمضان في المناطق التاريخية تجربة ثقافية ودينية غنية تعيد إحياء التراث العريق.
شهادات توثيقية
يقول البعض: إن الأجواء الرمضانية كانت في السابق قائمة على أجواء أُسرية دافئة حيث تجتمع العائلات حول مائدة واحدة ويتبادل الجيران الأطعمة فيما بينهم ما عزّز مفهوم التكافل الاجتماعي، والأطفال كانوا ينتظرون مدفع الإفطار بشغف ويتجوّلون في الحارات حاملين الفوانيس وهم يردّدون الأناشيد الرمضانية التقليدية، كما كان للمسحَّراتي دور أساسي في إيقاظ الناس لتناول السحور وكان صوته علامة مميزة للشهر الكريم .
أما عن الأجواء الرمضانية في الوقت الحاضر فقد تغيّرت بسبب التقدّم التكنولوجي والانشغال اليومي للأفراد وأصبح التفاعل الاجتماعي عبر أجهزة التواصل الاجتماعي بدلاً من اللقاءات المباشرة .
الإعلام والسوشيال
أحدث الإعلام والسوشيال ميديا تحولاً جذريًا في طقوس رمضان التقليدية، بتحويلها من ممارسات اجتماعية عفوية إلى مشاهد رقمية استعراضية (تصوير الموائد، الديكورات)، مع صعود دور المؤثّرين في تشكيل أنماط الاحتفال. ورغم تسهيل التواصل ونشر المحتوى الديني، أدّت إلى سطحية المعرفة الدينية، تراجع اللقاءات العائلية المباشرة، وتسليع الموروث الرمضاني، فقد حدث تحوّل اجتماعي وثقافي بسبب انتقال العادات من الموروث الاجتماعي والخبرة الشخصية إلى نماذج جاهزة يقدّمها صنّاع المحتوى (مثل ديكورات المائدة المثالية).
واستعراض الموائد حيث بات تصوير الأطعمة ومشاركة موائد الإفطار على السوشيال ميديا طقسًا يوميًا، مما أفرغ العادات من جوهرها الاجتماعي وحوّلها لـ”فانتازيا بصرية”. ليس هذا فحسب بل حدث تغيير في التلقّي الديني وذلك بتراجع دور رجال الدين التقليديين لصالح المؤثّرين الدينيين الرقميين، مما أدى إلى تسطيح المعلومات الدينية والتركيز على مظاهر التديّن الظاهري.
الترابط العائلي
ومن ناحية الترابط العائلي فقد تم تقليص التجمّعات العائلية وتسيَّدت الشاشات والمنصات المجالس الرمضانية، حيث ينشغل الأفراد بتصفّح الهواتف بدلاً من التفاعل الاجتماعي المباشر. حتى مظاهر الاحتفال بالفانوس والزينة تحوّلت إلى تسويق تجاري فتحوّلت مظاهر الاحتفال بالفانوس، والزينة إلى أشكال تجارية بحتة تروّج لها إعلانات مكثّفة، بعيدًا عن بساطة التراث.
على الرغم من تلك المساؤى إلا أن هناك إيجابيات فقد ساهمت التكنولوجيا في تقريب المسافات، وتسهيل أعمال الخير والتبرع أونلاين، بالإضافة إلى توفير تطبيقات لختم القرآن والأذكار.
يمكننا القول أن هذا التأثير يتركّز بشكل أكبر في الأجيال الشابة، وأنه قد أعاد تشكيل الوعي الرمضاني ليصبح “رمضاناً رقمياً” بامتياز.
كما غيّرت الدراما الرمضانية والإعلانات صورة شهر رمضان من مجرد فترة للعبادة والروحانيات إلى موسم استهلاكي وترفيهي ضخم، حيث تحول لـ”ماراثون” فنّي يركّز على الدراما الإعلانات التي تسعى لجذب الانتباه عبر منصات متعدّدة، مما أضفى طابعًا اجتماعيًا وترفيهيًا، وتجاريًا كبيرًا على الشهر، مما أدى إلى تحويل شهر رمضان الكريم إلى موسم ترفيهي وأصبح الشهر مرتبطاً بمشاهدة الأعمال الدرامية، والبرامج، والإعلانات الكثيفة، مما يقلّل من تركيزه التقليدي على العبادات فقط.
هُوية رمضانية
وقد ساهمت هذه التغييرات في التأثير على الهُوية الثقافية وفي تشكيل هُوية جديدة لرمضان، تعتمد على الاستمتاع بالبرامج والفعاليات الفنية والاجتماعية. ولقد أدى هذا التداخل بين الإعلام والمجتمع إلى تغيير مفهوم رمضان بشكل جذري، ليصبح شهرًا يجمع بين العبادة، الترفيه، والاستهلاك.
دور المنصات الرقمية في إعادة تشكيل العادات (مثل متابعة القرّاء والمقرئين عبر الأنترنت)
أعادت المنصات الرقمية تشكيل العادات اليومية والثقافية، بما في ذلك متابعة القراء والمقرئين، عبر تحويلها من ممارسات تقليدية محدودة إلى أنشطة تفاعلية، مرنة، ومتاحة عالميًا في أي وقت فقد سهّلت هذه المنصات الوصول للمحتوى الديني والثقافي، ونقلته من المحيط المحلي إلى الفضاء الرقمي الشامل، مما عزَّز “القراءة” والاستماع الرقمي كبديل عصري من حيث سهولة الوصول والتحكّم المرن فقد وفرت المنصات (مثل يوتيوب، تطبيقات المصحف، ومنصات البث) إمكانية الاستماع للقرَّاء المفضلّين في أي وقت ومن أي مكان، مما جعل العبادة والتعلم جزءًا من نمط الحياة السريع، كما أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل المباشر مع المقرئين، ومتابعة تحديثاتهم، ومشاركة المحتوى، مما خلق بيئة تشاركية أكثر حيوية، بالإضافة إلى تنوع المحتوى وجودته حيث وفرت التكنولوجيا جودة عالية وتنوعًا كبيرًا في المقرئين، والتلاوات مما يثري تجربة المستمع، أضف إلى ذلك أنها ترفع من مستوى معلوماتهم الشرعية وتعزز القيم الاجتماعية والدينية.
لذلك تعد المنصات الرقمية أداة فعالة لتحويل الممارسات الدينية والتعليمية إلى عادات رقمية سهلة ومستدامة، تعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التراث الديني والثقافي.
الأصالة والانفتاح
يتمثّل التحدي في رمضان في الموازنة بين الحفاظ على القيم الروحية والتقاليد الأصيلة (كصلاة التراويح، صلة الرحم) وبين الانفتاح على الحداثة (التكنولوجيا، وسائل التواصل، الاستهلاك). لذلك تسعى المؤسسات الدينية، مثل الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء، لتعزيز الوعي الأسري وترسيخ الهُوية الأصيلة مع الانفتاح الواعي على المستجدّات ومواجهة التحديات المعاصرة، لضمان استقرار الأسرة.
ولعل أبرز جوانب هذه التحديات تتمثّل في الموازنة بين الخشوع والعبادات التقليدية وبين كثرة البرامج التلفزيونية والترفيه الحديث، والتواصل الاجتماعي والحفاظ على حميمية التجمّعات العائلية في ظل الانشغال بالشاشات والتواصل الافتراضي، والتوفيق بين البساطة في الإفطار والتقاليد الأصيلة وبين المظاهر الاستهلاكية الحديثة والمبالَغة في العزومات.
وتهدف هذه الجهود إلى تحصين الأسرة المصرية من خلال دمج القيم الأصيلة مع أدوات العصر، مثل استخدام التكنولوجيا في التعليم الديني دون التفريط في الضوابط الشرعية.





























