
بقلم: مروة الشريف
مدير النشر العام دار الكتب والوثائق
يُرجع كثير من المؤرّخين ظهور الفانوس في مصر إلى العصر الفاطمي، حين كان الضوء ضرورة للحياة الليلية في مدينة اتّسعت شوارعها وازدادت حركتها. وتذكر بعض الروايات أن الناس خرجوا لاستقبال الخليفة المعز لدين الله ليلًا حاملين الفوانيس، فارتبط المشهد بالاحتفال والأُنس، لا بالإنارة وحدها.
ومع مرور الوقت، انتقل الفانوس من مناسبة عابرة إلى عادة موسمية، ثم أصبح علامة ثابتة على حلول شهر رمضان.
في البيئات الشعبية، كان الأطفال يطوفون بالفوانيس مردّدين الأناشيد، فتكوّنت علاقة وجدانية مبكّرة بين الطفل وهذا الضوء الصغير الذي يحمله بيده. ولم يكن الفانوس متشابهًا في كل البيوت؛ فقد صنعه الحِرفيّون من الصاج أو النحاس، وزيّنوه بزجاج ملوّن يعكس الضوء في أشكال هندسية رقيقة. وهكذا جمع الفانوس بين الوظيفة والجمال، وصار شاهدًا على قُدرة الحرفة المصرية على تحويل الأدوات اليومية إلى عناصر ذات قيمة رمزية.
صناعة متوطِّنة
تحوّله إلى صناعة قائمة بذاتها، ودوره في تشكيل المشهد البصري للشهر، مع بدايات القرن العشرين، ومع ازدياد الكثافة السكانية في المدن، لم يعد إنتاج الفوانيس عملاً محدودًا داخل الورش الصغيرة، بل أخذ شكل صناعة موسمية تستعد لها الأسواق قبل رمضان بأسابيع. وظهرت أحياء عُرفت بهذه الحِرفة، حيث تتجاور الورش وتتعالى أصوات الطرق على المعدن في مشهد يكاد يكون إعلانًا غير رسمي عن اقتراب الشهر.
وتعتمد صناعة الفانوس التقليدي على مراحل دقيقة: تقطيع الصفائح المعدنية، تشكيلها، لحام الأجزاء، ثم تثبيت الزجاج الملوّن، وأخيرًا إضافة الزخارف. هذا الجهد اليدوي منح كل فانوس شخصية مختلفة، بحيث يشعر المشتري أنه يقتني قطعة صنعت بعناية لا منتجًا متكررًا.
أما على مستوى المشهد العام، فقد أسهمت الفوانيس والزينة في تشكيل ما يمكن تسميته “الهوية البصرية لرمضان”.
فالإضاءة الدافئة تغيّر ملامح الشوارع، وتخفّف من قسوة العتمة، وتدعو الناس إلى البقاء خارج بيوتهم وقتًا أطول. وحين تتجاور الفوانيس على الشرفات وواجهات المتاجر، يتولّد إحساس بأن المدينة كلها تشارك في طقس واحد، حتى من دون موعد أو دعوة.
رمزية الزينة
الزينة الرمضانية تتجاوز كونها عنصرًا جماليًا؛ فهي تمثّل ذاكرة متجدّدة تستعاد كل عام. فكثيرون يربطون أول مشاهد الفرح في طفولتهم بلحظة تعليق الزينة في الشارع أو داخل البيت. وكان هذا العمل يتم غالبًا بروح جماعية، حيث يتعاون الجيران، ويتبادل الأطفال الأدوار، فتتحول الزينة إلى وسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية.
كما أن ألوانها الزاهية تحمل دلالة نفسية مهمة؛ فهي تعلن الانتقال من رتابة الأيام العادية إلى زمن مختلف تسوده روح المشاركة والكرم. ولهذا ظلّت الزينة، رغم بساطة خاماتها، رمزًا للفرح العام، وعلامة على أن الاحتفال في الثقافة المصرية لا يظل حبيس الجدران، بل يمتد إلى الفضاء المشترك.
ومن اللافت أن هذه الرمزية لم تتآكل مع تغيّر الأجيال، بل أعادت إنتاج نفسها في صور جديدة. فحتى مع ظهور الإضاءة الحديثة، ما زال كثيرون يفضّلون الأشكال التقليدية لما تمنحه من شعور بالأُلفة والاستمرارية.
الغزو الصيني!
شهدت الأسواق في العقود الأخيرة تدفُّقًا واسعًا للفوانيس المستورَدة، خاصة تلك التي تعمل بالبطاريات وتصدر ألحانًا جاهزة. وقد اجتذبت هذه المنتجات المستهلِكين بسبب انخفاض أسعارها وتنوّع أشكالها، لكنها فرضت ضغطًا كبيرًا على الحِرفيين المحلّيين الذين يعتمدون على العمل اليدوي وتكاليف أعلى للمواد.
ونتيجة لذلك، أغلقت بعض الورش أبوابها، بينما اضطر بعضها الآخر إلى تقليص الإنتاج أو تغيير نشاطه. والخسارة هنا لا تقاس اقتصاديًا فقط، بل ثقافيًا أيضًا؛ إذ إن تراجع الحرفة يعني فقدان خبرات تراكمت عبر عقود، وربما قرون.
مع ذلك، لا يزال الفانوس المصري يحتفظ بمكانة خاصة لدى من ينظرون إليه بوصفه قطعة من التراث، لا مجرد سلعة موسمية. وقد بدأت تظهر مبادرات تدعو إلى دعم المنتج المحلّي، سواء عبر المعارض التراثية أو من خلال تشجيع المؤسسات على اقتنائه في الفضاءات العامة.
إن حماية هذه الحرفة لا تعني رفض التطوّر، بل البحث عن توازن يسمح للصانع التقليدي بأن يطوّر أدواته دون أن يفقد روحه. فالفانوس، في جوهره، ليس هيكلاً معدنيًا يضيء فحسب، بل حكاية مجتمع اعتاد أن يستقبل شهره الأثير بالنور والبهجة





























