
د. نورا عبدالعظيم
باحثة بمركز تحقيق التراث
دار الكتب والوثائق القومية
أدرَجت منظمة اليونسكو “التقاليد الاجتماعية والثقافية للإفطار الرمضاني” ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية عام 2023م، بناءً على طلب من دول: أذربيجان وإيران وأوزبكستان وتركيا.
أبرز ملامح رمضان كتراث غير مادي: يعزّز التضامن الاجتماعي حيث يجمع الإفطار أفراد الأسر والمجتمع المصري، مما يوطّد العلاقات ويعزّز روح التضامن والأعمال الخيرية. تتناقل الأُسر المصرية التقاليد والطقوس الرمضانية، حيث يشارك الشباب والأطفال في إعداد أطباق الإفطار وتبادل الثقافات.
يرتبط الإفطار في مصر بمجموعة من الطقوس المتّبعة بعد يوم من الصيام مما يجعله تجربة ثقافية وروحيّة شاملة.
الاعتراف بالرمضانيات كطعام الإفطار كعنصر تراثي يرسّخ أهمية رمضان كظاهرة اجتماعية وثقافية عالمية، لا تقتصر على الجانب الديني فقط.
موائد الرحمن
هي تقليد إسلامي يتمثّل في إقامة موائد إفطار جماعية خلال أيام الصيام، خصوصًا في شهر رمضان المبارك ويوم عرفة، بهدف إطعام الصائمين من الفقراء والمساكين وغيرهم ممن قد لا يتمكّنون من تناول الإفطار في منازلهم. ويُعد هذا التقليد مظهرًا بارزًا من مظاهر التكافل الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية، وقد انتشر بشكل واسع في العديد من الدول العربية والإسلامية خصوصًا في مصر.
وتختلف الروايات حول أصل مائدة الرحمن، لكن تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن بدايتها تعود إلى العصر الطولوني في مصر فوفقًا لرواية تاريخية أقام ابن طولون في السنة الرابعة من ولايته مائدة أطلق عليها اسم “السِّمَاط”، جمع فيها القادة والتجّار والأعيان، وحثّهم على فتح بيوتهم ومدّ موائدهم للفقراء طوال شهر رمضان، بهدف تعزيز البِرّ والإحسان.
عهد الفاطميين
وفي رواية أخرى، يُنسب إنشاء موائد الرحمن إلى الدولة الفاطمية حيث أقام الخليفة المعز لدين الله الفاطمي مائدة كبيرة عرفت باسم “سِماط الخليفة” كانت تمتد لمسافة 175 مترًا، وكان يُقدّم فيها 1100 قدر من الطعام يوميًا لإطعام المصلّين والفقراء بالقرب من مسجد عمرو بن العاص، وكان القائمون على قصر الخليفة الفاطمي يوفّرون مخزونًا كبيرًا من السكر والدقيق لصناعة حلوى رمضان وكانوا يطلقون على مكان صنعه اسم “دار الفطرة” وكانت تُصنع أيضًا كعك العيد الذي سيتم توزيعه آخر يوم رمضان.
التطوّر العصرى
وفي العصر الحديث تطوّرت موائد الرحمن لتصبح ظاهرة شعبية تشمل مختلف شرائح المجتمع في مصر، فكان الملك فاروق بنفسه يشرف على إقامة موائد ضخمة أمام قصر عابدين حيث كان يحضرها بنفسه في اليوم الأول من رمضان، ثم يتولّى المسئولون إدارتها طوال الشهر.
وبعد ثورة 1952 تولّى بنك ناصر الاجتماعي منذ عام 1967 الإشراف على تنظيم هذه الموائد باستخدام أموال الزكاة.
وتنتشر موائد الرحمن اليوم في العديد من الدول العربية والإسلامية، مثل: السعودية والإمارات والعراق، وتتفاوت في أحجامها وتنظيمها.
وفي مصر تُعد من أبرز مظاهر شهر رمضان، حيث تقام في الشوارع والساحات العامة، وأحيانًا داخل المساجد الكبرى مثل الجامع الأزهر، الذي يستضيف أكثر من 4000 صائم يوميًا. كما تُظهر هذه الموائد روح التضامن الاجتماعي إذ يتبرع الأفراد والجمعيات الخيرية لإعدادها ويشارك فيها الجميع بغضِّ النظر عن وضعهم الاجتماعي.
الحماية من الاندثار
حماية تراث رمضان من الاندثار تتطلّب مزيجًا من التوثيق والتوثيق الرقمي من خلال تسجيل الممارسات والتعبيرات، والمعارف الرمضانية التراث غير المادي وإدراجها في قائمة الحماية العاجلة لليونسكو. واستخدام تقنيات مثل الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي لحماية التراث من التزييف والاستغلال.
وكذلك من خلال دعم الحِرف اليدوية التقليدية مثل صناعة الفوانيس النحاسية، الخيامية، حِرف الجريد والخوص، حماية الإنتاج المحلّي بمنع الاستيراد المنافس، إقامة ورش عمل مثل مبادرة “صنايعية مصر” لتدريب الشباب على هذه الحِرف لضمان استمراريتها.
وأيضًا من خلال نقل التراث للأجيال الجديدة بتنظيم فعاليات ومسابقات رمضانية ثقافية تعزّز الوعي بالموروث الشعبي، وتضمين هذه التقاليد في المناهج التعليمية لربط الأجيال الناشئة بهُويتهم.
وكذلك من خلال توثيق الحكايات الشعبية والفلكلور وأرشفة القصص، والأناشيد الرمضانية، والألعاب الشعبية ونشرها رقميًا.
كذلك من خلال إحياء عادات “رمضان زمان” وذلك الحفاظ على طقوس مثل “المسحَّراتي” و”مدفع الإفطار” و”موائد الرحمن” وتعزيزها كجزء حيوي من الهُوية العربية.
ومن خلال أيضًا دور الإعلام والمجتمع المدني بنشر الوعي عبر وسائل الإعلام حول أهمية الموروث الرمضاني، وتشجيع المنظمات غير الحكومية على تبني مبادرات لتوثيق وصون هذا التراث.































