بقلم د. نادر محمد حسين
مدرس الفقه بكلية الشريعة والقانون بأسيوط
تدور عجلة الزمن بسرعة مذهلة ترتجف منها القلوب الحية، ذلك أن المسلم يكاد يطيش عقله عندما يقف مع نفسه محاسبًا: ماذا قدّم فيما انقضى من أيام عمره ولياليه؟ ويزداد خوفًا وفرقًا عندما يستحضر ما رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهم من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-: قال رسول الله: “أعمار أمّتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلّهم من يجوز ذلك”.
فيا الله ما أقصر الأعمار! تبلغ الستين أو السبعين أو الثمانين أو المائة، ثم تنتهي من الدنيا وتنتقل إلى الآخرة، وهذا إن لم تتخطّفك المنون في سنّ الشباب أو الكهولة!
لكن عزاء المسلمين أن لهم ربًّا لطيفًا رحيمًا، عوّضهم بقِصَر أعمارهم ما يدركون به أعمال المعمّرين مئات السنين، وذلك بمضاعفة الأجور والحسنات بحسب شرف الأزمنة والأمكنة ومواسم الطاعات. ومن ذلك ما أنعم الله به على عِباده بفضيلة شهر الصيام، ففيه مضاعفة للحسنات، وتكفير للسيئات، وإقالة للعثرات؛ فلذلك أحببت التذكير بهذه الوقفات: الأولى: وقفة محاسبة: يجب على كل مسلم أن يأخذ العبرة من سرعة تصرُّم الأيام والليالي، فيقف مع نفسه محاسبًا، حسابًا يدفعه إلى العمل الصالح وهجر الذنوب. وقد أمرنا الله بمحاسبة أنفسنا، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) [الحشر: 18].
الوقفة الثانية: التوبة الصادقة: فالمسلم ليس معصومًا عن الخطأ، فهو عُرضة للوقوع في الذنوب والآثام، وقد بيّن النبي ذلك، وبيّن أنه من طبع البشر، وبيّن علاجه فقال: “كلُّ بني آدَمَ خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوّابون” (الجامع الصغير). كما جاء في حديث أنس -رضي الله عنه- الذي أخرجه أحمد والترمذي عن أبي هريرة: قال رسول الله: “والذي نفسِي بيَدِه، لو لم تُذنِبوا لذَهَب الله بكم، ولجاءَ بقومٍ يذنِبون فيستغفِرون اللهَ، فيغفِر لهم” (أخرجه مسلم).
ورمضان هو شهر مغفرة الذنوب، والقبول ومضاعفة الحسنات، والعتق من النار، هو الشهر الذي “تفتَّح فيه أبواب الجنّة، وتغلَّق فيه أبواب النار، وتصفَّد فيه الشياطين.
فحريٌّ بالمؤمن الصادق الذي مدّ الله في عُمره حتى أدرك هذا الشهر أن يغتنمه بتوبة صادقة، وانطلاقة جادة بعزيمة أكيدة، فيجدّد العهد مع الله بأن يلتزم بطاعته، وأن يأتمر بأوامره، وينتهي عن مناهيه، ويستقيم على دينه حتى يلقاه؛ فإن العبرة بالخواتيم.
الوقفة الثالثة: رمضان فرصة لتطهير القلوب وتصفية النفوس، إن الناظر بعين البصيرة إلى حال الناس اليوم لَيرى واقعًا مؤسفًا وحالاً سيئة، يرى إقبالاً على الدنيا الفانية وتنافسًا مخيفًا في جمع حطامها، حتى إنك لَترى الرجل تعرفه وعهدك به ذا حياء ولطف وخُلق جمّ، فما أن يقبل فيها ويدبر إلا ويصبح ذئبًا ضاريًا، همّه الظفر بالمال، وعدوّه من شاركه في مهنة، أو نافسه في بيعه.. فسبحان الله وكأن أولئك خلقوا للدنيا أو سيعمرون فيها!
وكذلك ترى أمرًا آخر لا يقل عن سابقه قبحًا: وهو تقاتل الناس على حب الظهور والشُّهرة، وهذا كله مما يوغر الصدور ويمرض القلوب، فيتولّد الحقد الدفين، والبغضاء والحسد.
فهذا هو رمضان موسم الصفاء والإخاء والأُلفة والمحبّة، كيف لا وأنت تسمع الضجيج بالتأمين على الدعاء، وتشاهد النشيج بالبكاء، فهل يحصل مع هذا تباغض وجفاء؟ فنسأل الله أن يطهّر القلوب ويستر العيوب.
الوقفة الرابعة: ذكرياتنا الخالدة في رمضان. عندما نذكر تاريخنا في رمضان فإننا نذكر تاريخًا مشرّفًا وأمجادًا تليدة، نذكر نصرًا وفخرًا، عزّة وشموخًا، نذكر بطولات حقّقها الأخيار؛ فنفخر بغزوة بدر الكبرى وفتح مكّة، ونعتز بـ”فتح عمورية” ونخوة المعتصم، ونذكر فتح الأندلس، ونتشرّف بذكر انتصارات صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين، فبعد موقعة حطّين الشهيرة وتحرير بيت المقدس من قبضتهم، وأثناء تحقيق هذا الانتصار الباهر دخل شهر رمضان، فأشار رجال صلاح الدين عليه أن يستريح نظير ما لاقاه من جهد ومشقّة، لكنه رفض ذلك وقال: “إن العُمر قصير، والأجل غير مأمون، والسماح للمغتصبين بالبقاء في الأرض الإسلامية يومًا واحدًا مع القُدرة على استخلاص الأرض منهم، عمل منكر لا أستطيع حمل مسئوليته أمام الله وأمام الناس”. كما نتذكّر حرب اكتوبر المجيدة.
فهذا شيء من ذكرياتنا في رمضان يهتز له القلب بهجة وسرورا وشموخًا.





























