دخلت “الطب” بالقرآن.. و”رَهْبَة المقام” لا تُوصف
القراءات العشر “جواز سفرى”.. لقاء الإمام الأكبر “حلمى”
كتب- محمد لملوم:
في إطار رؤيةٍ متجدّدة تؤكّد إيمان الجامع الأزهر بتمكين الشباب وصناعة جيل جديد من أئمة التلاوة، يواصل الأزهر الشريف للعام الثاني على التوالي إسناد إمامة صلاتي العشاء والتراويح بـ”قِبْلَة” الجامع الأزهر خلال شهر رمضان المبارك إلى نخبة من الشباب الأزهري المتميّز، بتوجيه من فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب- شيخ الأزهر- في خطوة تعكس الثقة في الكفاءات الواعدة، وتجدِّد دماء مدرسة التلاوة المصرية العريقة داخل أروقة أقدم جامعة إسلامية في العالم.
يأتي هذا التوجّه امتدادًا لنهج يرسّخ حضور الشباب في المشهد الدعوي والقرآني، ويمنحهم مساحة حقيقية للممارسة والقيادة تحت إشراف علمي دقيق من قيادات المسجد، بما يعكس توازنًا واعيًا بين أصالة المدرسة الأزهرية وروح التجديد.
وفي هذا السياق، تنفرد “عقيدتي” بأول حديث مع الطالب محمد عبدالنبي جادو- الطالب بالفرقة الخامسة كلية الطب، جامعة الأزهر- والذي أَمَّ المصلّين في صلاة التراويح بالجامع الأزهر في الليلة الثالثة من شهر رمضان، ليجمع بين شرف العلم الطبّي ونور القرآن الكريم في آنٍ واحد.
“جادو” 23 عامًا، يشير إلى أن رحلته مع القرآن بدأت منذ نعومة أظفاره داخل بيت قرآني خالص، نشأ فيه على صوت التلاوة وأجواء الحفظ والمراجعة.
هو من قرية “المجفّف” بمركز ديرب نجم، الشرقية، ويعرب عن اعتزازه بجذوره الريفية. ويقول: إن والده يعمل إمامًا وخطيبًا بالأوقاف، بينما والدته ربَّة منزل وخرّيجة كلية أصول الدين، وكان لهما الدور الأكبر في غرس حب القرآن في قلبه منذ الصغر.
أوضح أن والده كان يفتح كتَّابًا لتحفيظ القرآن في المنزل، وكانت بداية الحفظ والمراجعة، في أجواء التزام يومي؛ حيث كان أفراد الأسرة يحرصون على الحضور بعد صلاة الفجر، ولا يُسمح بالتخلّف عن مجلس القرآن، حتى لو تطلّب الأمر الاستيقاظ مبكّرًا. ولمحمد أخت وحيدة تصغره بعامين، تدرس فى الفرقة الثانية كلية الصيدلة، جامعة الأزهر بالقاهرة.

إتقان التجويد
بدأت ملامح التميّز القرآني تتشكّل مبكّرًا؛ عند “محمد” فمع دخوله المعهد الأزهري، بدأ تعلّم أحكام التجويد بشكل منهجي، وكانت الإذاعة المدرسية أول منصّة أظهر فيها موهبته في التلاوة. وأتمّ حفظ القرآن وتجويده في سنٍّ مبكّرة، شارك في عدد من المسابقات على مستوى المحافظة والمناطق التعليمية، وحقّق مراكز متقدّمة، وإن لم تُتح له فرص المشاركة الدولية.
وعن علاقته بكلية الطب، يؤكد أن القرآن لم يكن عائقًا يومًا أمام دراسته، بل كان سببًا في تفوّقه، قائلًا: “دخلت كلية الطب بالقرآن، ونجحتُ في الطب بالقرآن.. كل نعمة في حياتي بدأت بالقرآن”.
يضيف: دراسة الطب تتطلّب وقتًا وجهدًا كبيرين، لكن القرآن كان دائمًا “المنْفَذ والهواء النقي” وسط ضغط الدراسة، مشيرًا إلى أن تقديراته “امتياز مع مرتبة الشّرف” بشكل متتال خلال السنوات الماضية، كما حصل في عامه الأخير على لقب “الطالب المثالي” على مستوى الكلية، وتم تكريمه من عميد الكلية ووكيلها.
الطريق إلى الجامع الأزهر
كشف “جادو” أن اختياره جاء ضمن توجّه من الجامع الأزهر لإحياء مدرسة التلاوة بين الشباب، بعد تجربة ناجحة العام الماضي. وتم الإعلان عن التقدُّم عبر الإنترنت، واشترطت الإدارة أن يكون المتقدِّم حافظًا للقرآن، مُتقنًا للقراءات العشر، مع إرسال تسجيل مقطع صوتي. وبعد مرحلة الفرز، تلقّى دعوة لإجراء اختبار بالجامع الأزهر، تضمن أسئلة في القرآن والقراءات أمام لجنة من أئمة وباحثي المسجد، ثم اختبارًا في القراءات على يد الشيخ حسن عبدالنبي، تلاه اختبار سمات يتضمّن التعريف بالنَفَس والتلاوة كما لو كانت في الصلاة.
كما خضع لاختبار أمام وكيل الأزهر، د. محمد الضويني، الذي ناقشه في متون علم القراءات مثل “الشاطبية” و”التحفة”، في حوار علمي عميق لم يقتصر على مجرد الاستماع للتلاوة.
ولم تتوقف الاختبارات عند هذا الحدّ، بل عُرض المتقدّمون على لجنة مراجعة المصحف، والإذاعة، قبل أن يتم اختيار خمسة فقط للانضمام إلى قائمة الأئمة الشباب لإمامة المصلِّين ضمن ٣٩ متقدِّمًا فى التصفيات النهائية.
وخلال شهر شعبان، تلقّى المختارون دورة تدريبية مكثّفة داخل الجامع الأزهر لمدة سبعة أيام، شملت المقامات الصوتية، القراءات، أحكام التجويد، فقه الصلاة، بإشراف قيادات المسجد وعلماء القراءات. ومع بداية رمضان، تم توزيعهم على مساجد تابعة للأزهر لتأهيلهم لـ”قِبْلَة” الجامع الأزهر، قبل أن يتلقّى اتصالًا صباح يوم صلاته، يفيد تكليفه بإمامة التراويح في اليوم نفسه.
رهبة المقام
يصف “جادو” لحظة تقدّمه إلى “قِبْلَة” الجامع الأزهر بأنها لحظة لا تُوصف، قائلاً: إنه ظل طوال الصلاة يدعو الله بالثبات، ويستشعر عِظَم المقام وثقل المسئولية. وعقب انتهاء الصلاة، ورغم ردود الفعل الإيجابية، يؤكّد أنه تربَّى داخل الأزهر على أن “يستوي المدح والذَّم”، وأن الأهم هو رضا الله. ويشير إلى أن كلمات الطمْأنة التي تلقّاها من قيادات الأزهر كانت كافية بالنسبة له.
رسالة للإمام الأكبر
ويعرب “جادو” عن أمنيته بلقاء فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب- شيخ الأزهر- لشكره على إتاحة الفرصة له ولشباب الأزهر لإحياء مدرسة التلاوة، مشيدًا بجهود قيادات المسجد، ومؤكّدًا أن ما تحقّق هو فضل من الله وحده.
































