خرجنا من موضة الدعاة الجدد إلى موضة المنحرفين الجدد، العصابة التي استمرأت إثارة الشغب حول الدين باسم تجديد الدين، ينصبون أنفسهم مصححين مجددين وهم لا يحسنون قراءة آية في القرآن الكريم، لا تعجبهم أركان الإسلام ويريدون تبديلها، ويجاهرون بالرغبة في تغيير أحكامه لتناسب العصر، ويستعلون بجرأة غريبة على العلماء الثقات، بل على مؤسسة الأزهر التي هي ـ وفقا للدستور ـ المرجعية في مسائل الدين.
لقد استباح هؤلاء المنحرفون الحديث في علوم الإسلام بغير علم، ولم يراعوا الحد الأدنى من الاحترام لثوابت الدين، وللشخصيات الموقرة الراسخة في التراث العلمي الديني، نعم ليس في الإسلام صاحب قداسة غير النبي، وكل من هو دونه يؤخذ منه ويرد عليه، في إطار من التقدير المتعارف عليه بين العلماء، أما إثارة الشغب في قضايا الدين على الهواء مباشرة فهو أمر خطير، قد يحقق الشهرة السريعة السيئة لفاعله، لكنه يضر بالدين وبالسلم الاجتماعى، ويلهينا عن قضايانا الحقيقية.
لذلك يجب أن تكون هناك وقفة جادة من المؤسسات والأجهزة المعنية مع الأفكار المنحرفة التي يروج لها أناس ليسوا من أهل الاختصاص، بعد أن تكررت أخطاؤهم، وأحدثوا بلبلة فكرية وانقسامات تركت أثرا سلبيا على ثقة الجمهور في علمائه ومصداقية إعلامه، هذه الوقفة لا تصادم حرية الاعتقاد، فكل شخص له مطلق الحرية في أن يعتقد ما يشاء، وأن يتحول كيف يشاء، لكن ليس من حقه أن يتهجم على الدين بجهل فاضح، وإن كان يرى في نفسه مفكرا مبدعا فليذهب إلى حيث يناقش العلماء ويناقشونه، بدلا من إثارة الفتن وإشاعة الفوضى في مجتمع يبحث عن التوحد والتعاضد ليبني وينتج ويواجه أعداء الداخل والخارج.
ليس فيما يثار على القنوات الفضائية من قضايا الدين ما يستنهض الهمم ويستثير الفكر، وإنما تكرار لأفكار بدأت وانتهت في مستنقعات آسنة، وترديد لادعاءات بالية تطلق لمجرد المكايدة والإلهاء وتغييب العقول وتشتيت الوعي العام فيما يشبه توزيع الأدوار؛ هناك من يدعو لإلغاء السنة والاكتفاء بالقرآن وإسقاط الحدود، ويدعي أن الصلاة ليست عبادة وغير ملزمة، وكذلك الصيام، وهناك من ينكر الإسراء والمعراج والكعبة والمسجد الأقصى، ويزعم أن القرآن مختلف عليه وتاريخ المسلمين مزور وكله دماء، وهناك من يسخر من الحجاب والأضحية والصحابة ويستهزئ بالبخاري والشافعي، وهناك من يثير قضايا غريبة من أجل الجدل والسفسطة وإشغال الناس عن قضايا حياتهم مثل مصير أبوي النبي، وسن زواج السيدة عائشة رضي الله عنها، وخطأ توقيتات الصلاة والصيام.
وفي المقابل يتم استبعاد القضايا الجوهرية التي يجب أن ننشغل بها لتحقيق مصالح الوطن والمواطن، والتي بدونها نظل في دائرة التخلف العلمي والحضاري، كأنما يراد لنا أن نعيش في الماضي ولا نقفز إلى الحاضر، المسألة لم تعد تتعلق بالتشكيك في الدين فحسب، وإنما شغل الفضاء العام بقضايا غير واقعية وغير ذات فائدة لإحداث مزيد من الفرقة والانقسام.
هذا المخطط لا يمكن أن يكون عشوائيا، وإنما هناك جهات نافذة معروفة في الداخل والخارج تعمل بجد، ووفقا لدراسات وأبحاث ممولة بسخاء، من أجل تهميش الإسلام والتشكيك في ثوابته والعبث في عناصر الهوية الإسلامية الجامعة، كي يظل المسلمون خارج التاريخ، منهمكين في تناحر داخلي لا ينتهي.
ما سر العجرفة التي يتهجم بها المنحرفون على ترائنا وعلمائنا الأجلاء، والتي فاقت عجرفة المستشرقين ومن هم ليسوا على الإسلام؟ وما سر الأبواب المفتوحة لهم في قنواتنا الإعلامية على مصاريعها بينما يتم تغييب الصوت الديني الرشيد، ولو حتى من قبيل التوازن وحق الرد؟
نحن نعرف المخطط ومدى خطورته، لكن المؤلم حقا أن يجري تنفيذه بأياد مسلمة ارتضت أن تكون حربا على دينها وأوطانها ومواطنيها، وأن تكون سببا في إثارة الفتن في مجتمعاتها من أجل عرض دنيوي زائل، في حين يقف أمامهم عدو يعمل على إحياء هويته ولغته وأساطيره، ولا يقبل بأي شكل إهانة دينه، أو إثارة اللغط فيه، أو حتى تشويه (الصهيونية)، فمتى تستيقظ الضمائر؟
نحن أمام اختبار تاريخي؛ إما أن نكون بحق: “خير أمة أخرجت للناس”، أو يتحقق فينا قول القائل: “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”.





























