تتجدد بين الحين والآخر موجات من الجدل تتناول ثوابت الدين، فتطال بالسؤال والتشكيك مصادر التشريع، وتفتح باب الطعن في السنة النبوية، بل تمتد أحيانًا إلى مقام صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لمصلحة من يُثار هذا الغبار؟ ومن المستفيد من إضعاف الثقة في التراث الإسلامي ورموزه الكبرى؟
إن السنة النبوية تمثل مع القرآن الكريم المصدر الثاني للتشريع، وقد أجمع علماء الأمة على حجيتها ومكانتها، استنادًا إلى قوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا». وقد حفظ الله هذا الدين برجال نذروا أعمارهم لخدمته، فقاموا بتمحيص الروايات وتدقيق الأسانيد، حتى نشأ علمٌ فريد في منهجه ودقته، هو علم الحديث، الذي ازدهر على أيدي أئمة كبار مثل الإمام البخاري والإمام مسلم وغيرهما، ممن وضعوا ضوابط صارمة لقبول الرواية وردّها.
إن الطعن في السنة ليس مجرد خلاف علمي مشروع، بل يتجاوز أحيانًا إلى محاولات نزع المرجعية الدينية من أساسها، إذ إن إسقاط السنة يفضي عمليًا إلى تفريغ كثير من أحكام الشريعة من مضمونها، ويجعل النص القرآني عرضة للتأويلات المنفلتة التي لا ضابط لها. ومن هنا، فإن الهجوم المنهجي على السنة لا يمكن فصله عن محاولات أوسع لعلمنة المجال العام وإقصاء الدين عن الحياة.
أما الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم، فهو مساس بجيلٍ اختاره الله لصحبة نبيه، وحمل رسالة الإسلام إلى العالمين. وقد أثنى عليهم القرآن في مواضع عدة، وأشاد بسبقهم وجهادهم وصبرهم. والطعن في عدالتهم يفضي– منطقيًا– إلى التشكيك في نقلهم للقرآن والسنة، وهو ما يفتح بابًا خطيرًا لزعزعة الثقة في مجمل التراث الإسلامي.
ولا يعني ذلك مصادرة حق البحث أو منع النقاش العلمي الرصين، فالتاريخ الإسلامي لم يكن يومًا مغلقًا أمام الاجتهاد والمراجعة، بل شهد مدارس متعددة في الفقه والكلام والتفسير. غير أن الفارق كبير بين النقد المنضبط بأدوات العلم، وبين الطعن الذي يتكئ على الإثارة الإعلامية أو الحسابات الأيديولوجية.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالصخب ولا بالتخوين، وإنما بتعزيز الوعي، وإحياء الثقة بالمنهج العلمي الذي سلكه علماء الأمة في حفظ دينها. كما تتطلب خطابًا دينيًا معاصرًا يجمع بين الثبات على الأصول والانفتاح على الأسئلة الجديدة، بعيدًا عن الجمود أو التفريط.
وفي النهاية، يبقى الدين الإسلامي محفوظًا بوعد الله، وتبقى الثوابت الراسخة عصيّة على الهدم، مهما علت أصوات التشكيك. غير أن مسؤولية الدفاع عنها تقع على عاتق العلماء والمثقفين والإعلاميين، عبر بيان الحقيقة بالحكمة والموعظة الحسنة، وترسيخ ثقافة احترام الرموز، وصيانة الوعي من أن يُستدرج إلى معارك تُضعف الأمة أكثر مما تخدمها.





























