د. محمد سالم: فانوس رمضان وصلاة التراويح أسلحة مقاومة نفسية
د. نادية قطب: ليس طقسا عابرا بل أمل فى النصر
تقرير: مروة غانم
رغم كل المعاناة التى يكابدها أهل غزة من فقد ذويهم وتدمير بيوتهم وتشريد آلاف الأسر فى الشوارع وفى الخيام المتهالكة، ونقص شديد فى الطعام والشراب، وافتقار غير مسبوق لأبسط مقومات الحياة، إلا أنهم فرحوا فرحا شديدا بقدوم الشهرالفضيل، ودبَّت الحياة فى شوارع غزة, فتسابق الشباب لتعليق الزينة فى الشوارع المهدّمة، وفوق ركام البيوت المدمرة، ونشدت الفتيات والسيدات الأغانى الرمضانية داخل الخيام وفى أروقة المستشفيات, وصنع الأطفال الفوانيس من علب المياه الغازية الملقاة فى الشوارع، ووقف الآلاف فى الشوارع يؤدون صلاة التراويح بعد ما دمرت كل المساجد، وذلك فى تحد غير مسبوق للعدو الصهيونى بأنهم صامدون وباقون مهما حدث.
يوضح د. محمد سالم- أستاذ التاريخ والحضارة الاسلامية بجامعة الأزهر بالمنصورة- أنه رغم مرارة المعاناة التى يعانيها أهل غزة, والدماروتفشى الفقر والمرض بينهم, ورغم رائحة الموت التى تنبعث من كل مكان فى جوانبها بفعل آلة الحرب الغاشمة من قبل عدوهم الصهيونى, إلا أنهم لا يزالون صامدين يقدمون للعالم كله أسمى آيات العزة والشرف, ويرسلون أعظم رسائل الإيمان والتمسك بحبل الله المتين، معظِّمين شعائره فى أحلك الظروف وأقساها.
إيمان برائحة البارود
يضيف: فى الوقت الذى يستقبل فيه العالم الاسلامي الشهر الكريم بالزينة الفاخرة والموائد العامرة, يستقبله أهل غزة بملامح مغايرة يمتزج فيها عبق الإيمان برائحة البارود العالقة فى الأزقة, وتتعانق دعوات التراويح مع أنين الفقد ووجع النزوح, ورغم الألم لا تزال فوانيس رمضان تضىء خيامهم المتهالكة التى تواجه المدافع بعزيمة لا تلين, يرددون تكبيرات التراويح وسط الركام, ووسط جثامين المفقودين, وتحت أزيز الرصاص, متمسّكين بزينة بسيطة تحمل ما تبقى من ملامحهم.
يشير د. سالم، الى محاولة استعادة “سوق الزاوية” بعضا من نشاطه؛ إذ يحاول الباعة عرض ما تيسر من تمور ومكسرات بسيطة بأسعار أرهقها الحصار، محاولة منهم لاستعادة روح رمضان التى كانت تضج بها أسواق القطاع، فى رسالة واضحة الملامح لا يشوبها أى غبار وهى “هنا وُلِدْنَا, وهنا سنبقى, ودون أرضنا سنموت”، غير معيرين دهاليز السياسة المغلقة أدنى اهتمام، فعقيدتهم راسخة واحدة وهى: الأرض كالعِرض لا تقبل التنازل أو التفريط.
ويشدد على أن الشعائر الدينية فى غزة “مثل صلاة التروايح والزينة” تتحول من مجرد عادات الى أدوات للمقاومة النفسية, كما أن الصلاة وسط الركام ليست مجرد عبادة بل هى إعلان بأن الصلة بالله أقوى من انقطاع الأسباب الأرضية, وتمسّكهم بالطقوس التاريخية والفانوس، رسالة للعالم أجمع أنها ليست ساحة حرب بل امتداد تاريخى لحضارة عريقة ترفض الاندثار، وأن شعبها عصى على الإبادة التاريخية، فضلا عن كونها تقدم نسخة رمضانية تضع ضمير العالم الإسلامى والإنسانى أمام المرآة بأن التضامن لا يكون بالشعارات بل بإدراك حجم الفجوة بين واقعين.
أقوى من الركام
تؤيده الرأى د. نادية قطب- أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر بالقاهرة- مؤكدة أن الدمار الذى لحق بغزة لم يستطع أن يسلبهم إيمانهم, ولم ينجح الحصار فى اقتلاع حبهم للحياة, فمنذ أكثر من سنتين والقصف مستمر لم يتوقف وخلَّف وراءه آلاف الشهداء والمفقودين، ودمر كل البيوت والمساجد، ورغم ذلك لم يختف صوت الأذان, ولم تنطفىء موائد الإفطار, فالأطفال يعلقون فوانيسهم على أطراف الخيام, والأمهات يخبزن ما توفر لديهن, والآباء يجلسون عند الغروب ينتظرون لحظة الإفطار كما لو كانوا ينتظرون وعدا جديدا بالبقاء، وهم بذلك يبعثون رسالة للعدو المحتل “أن الإنسان أقوى من الركام، والروح أقوى من السلاح”.
تضيف: فى غزة لا يقاس الوطن بالجدران القائمة ولا البيوت السليمة, بل بمن يصرّون على البقاء فيه, فرغم تحول البيوت الى ركام إلا أن معنى الوطن حاضر فى الوجوه وفى الدعاء وفى ابتسامة الأطفال وفرحتهم بقدوم رمضان وكأنهم يعلنون ميلاد الضوء من جديد, فرمضان فى غزة ليس طقسا عابرا بل فعل مقاومة هادئة.
وتصف فرحة أهل غزة برمضان بأنها تحمل عدة رسائل منها: أن مقاومة العدو مستمرة, وأن الليل مهما طال لا يستطيع إلغاء فكرة الصباح، وأنهم شعب اعتاد النهوض من تحت الركام فهو يعرف جيدا كيف يبنى الأمل قبل أن يبنى البيوت, ويحتفل برمضان ليس لغياب الألم بل لأن الأمل موجود ومترسّخ عندهم بالنصر وهزيمة عدوهم .





























