في هوجة الألقاب التي تُعلَّق كلافتات على صدورٍ قد لا تحمل قلوبًا نابضة بالإنسانية، وفي ظل تساقط المفاهيم كأوراق الخريف، يطفو سؤالٌ مؤرّق كالضباب على مرآة الوعي الجماعي: هل علَّمنا أبناءنا أن الشرف الحقيقي لا يُورَث بجنس العائلة، بل يُبنَى يومًا بعد يومٍ بالخُلُق الحميد والسلوك القويم؟
الشرف لا يُدرَّس في المدارس فقط، بل يُغذَّى في بيوتنا، ويُغرس في نفوس الصغار حين يرون الكبار يعيشونه لا يدّعونه. «إنَّما يُنْسَبُ المَرْءُ إلى يَوْمِهِ، لا إلى أَمسِهِ»، فقيمة الإنسان تُقاس بما هو عليه اليوم في سلوكه وفعله، لا بما ورثه من أسماء أو أنساب.
الشرف- في جوهره الإنساني والديني- ليس زينةً لفظية نُعلّقها على جبين الأبناء. بل هو مسارٌ يوميّ من الالتزام بالحق، والتمسك بالعدل، واحترام الآخر، والصدق حتى في الخفاء. وفي ذلك يروي الإمام عليّ بن أبي طالب- كرّم الله وجهه- حديثا شريفا: “اعْفُ عمَّنْ ظَلَمَكَ، وصِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وأحسنْ إلى مَنْ أساءَ إليكَ، وقُلْ الحقَّ ولَوْ على نفسِكَ”. فهل يُدرَّس هذا النوع من الشرف في بيوتنا؟
لكننا اليوم نعيش عصر التناقضات: نرى أبناء عائلاتٍ تُوصَف بأنها “كريمة” أو “محترمة” يرتكبون أفعالًا تخدش أبسط مبادئ الإنسانية دون أن يردعهم “الشرف” الذي طالما سمعوا عنه في المجالس. لماذا؟ لأنهم لم يُدرَّبوا على أن الشرف مسؤولية، ومن ناحيةٍ أخرى، نرى شابًّا فقيرًا، لا نسَبَ يُفاخِر به، يُنفق على جاره المحتاج سرًّا، ويُعيد الحق لأصحابه، فيُنظر إليه كأقل منزلة، لأن اسمه لا يحمل بريقًا اجتماعيًّا.
فهل حوّلنا الشرف إلى تراثٍ شفهي يُتناقل في مجالس العزّة، بينما نُهمِل زرعه في نفوس الأبناء عبر المثال والمرآة اليومية؟
“الأخلاق ليست ما نُعلِّمه، بل ما نعيشه”. فإذا كان الأب يكذب، ثم يُحذّر ابنه من الكذب، فما الرسالة التي تستقر في نفس الابن؟ إن العقل لا يُعلَّم بالكلمات وحدها، بل بالتناغم بين القول والفعل. والطفل لا يتعلم الشرف من المحاضرات، بل من لحظةٍ يرى فيها أباه يقول الحق، أو يعتذر لخادمٍ أساء إليه دون قصد.
نحن ندفع ثمن هذا الخلل، لأن المجتمعاتٍ تُقدّس الاسم أكثر من الفعل، فيُصبح الابن مُطالَبًا بأن “يحمي سُمعة العائلة” لا لأنه يعي قيمة الأخلاق، بل خشيةَ العار الاجتماعي.
والسؤال الأعمق: ماذا نُورّث أبناءنا عندما نُعَلّمهم أن “فلان من عائلة محترمة”، بينما نسكت عن أفعاله غير الأخلاقية؟ أو عندما نُبرّر سلوكهم السيّئ بـ”الشباب له طبيعته”، فنزرع فيهم أن الخُلق قابلٌ للتفاوض ما دام الاسم سليمًا؟
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في الحفاظ على “سمعة العائلة”، بل في بناء “ضمير الفرد”. وليس في تعليم الأبناء كيف يتفاخرون بألقابهم، بل كيف يخجلون من أخطائهم، ويصلحونها، ويطلبون المغفرة، ويُعيدون الحقوق. الشرف الحقيقي لا يُعلن في حفلات الزواج أو المناسبات، بل يُختبر في لحظات الوحدة، حين لا يراك أحد سوى الله.
فلنتساءل بصراحة: هل نحن نبني أبناءً أحرارًا أخلاقيًّا، أم عبيدًا للصور والسُّمعة؟ هل نُعِدّهم ليكونوا أناسًا يُحترَمون لأنهم عادلون، أم لأنهم “من عائلة معروفة”؟ وهل سنجرؤ يومًا أن نقول لابننا: “لا يهمني ما يقول الناس عن اسمك، المهم ما يقوله قلبك عن نفسك”؟
في النهاية، الشرف ليس لافتةً تُعلّق على الباب، بل نورٌ يُضيء من الداخل. فلا قيمة لاسمٍ يحمل عبق التاريخ، إذا كان سلوك صاحبه يشوّه مستقبل الإنسانية.
فليكن شرفنا في أفعالنا، لا في أنسابنا. وليكن ميراثنا لأبنائنا خُلقًا يُقلّدونه، لا لقبًا يُفاخرون به.





























