هل هناك وحى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ سؤال تبدو الإجابة عنه سهلة وسريعة وحاسمة: لا ليس هناك وحى بعده. فهو خاتم الأنبياء والمرسلين. لكن الإجابة السريعة ليست كالعادة صحيحة.
الوحى هو سِرٌّ بين ملقى ومتلقّى. هو ما يقال بينهما. لقوله سبحانه وتعالى: ” رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)” (غافر). ويسمّى الملقِى بالوحى. ويسمّى المتلقّى بالموحى إليه .
وعلى هذه القاعدة يكون الوحى أنواعاً: هناك وحى إلهام كقوله تعالى: ” وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ” (النحل:68). وهو وحى جاء من الله مباشرة دون جبريل أو مَلَك آخر. وحى تلقّاه كائن غير بشرى. ويمكن أن يكون الكائن الذى يتلقّى الوحى مثلنا. بشراً وليس رسولاً. كما فى قوله تعالى: “وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه”. ويمكن أن يكون الموحى إليه جماداً. ففى يوم القيامة سيوحى الله للأرض بما عليها أن تفعل ” يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا” (الزلزلة:5).
وهذا النوع من الوحى لن ينقطع، فلا يزال النحل يفعل ما أوحى الله به. وهناك وحى يسمّى وحى منام وهو الرؤيا الصالحة التى يراها المؤمن أو يراها غيره له. الرؤيا هنا لا تخرج عن كونها نوعاً من الوحى لأن النائم فى موضع المتلقى لا يملك شيئاً. فهو كالميت بين يدى الله. وهناك وحى رسالة، وهو الذى يخص به الله رسله وأنبياءه، وهذا هو الوحى الذى انقطع، فلا وحى رسالة بعد رسول الله وأشرف خلْقه .
وهناك وحى غريب لا يدل على الصلاح والتقوى تراه فى قوله تعالى: “يوحى بعضهم إلى بعض زُخرف القول غروراً”. هو وحى التدبير السيئ، وحى إبليس لمشرِكى مكّة بأن يجمعوا رجلاً من كل قبيلة ليقتلوا النبى، ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرّق دمُه بين القبائل، ووحى التدبير هو وسواس بين فاسد وفاسد، بين فاسق وفاسق، بين إبليس والبشر .
لكن هناك أيضاً وحى من بشر إلى بشر، يقول تعالى عن سيّدنا زكريا: “فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبّحوا بُكرة وعشياً”، لقد كان سيدنا زكريا وهو فى المحراب فى موضع الموحى إليه من الله، كان فى موضع المتلقى، لكنه ما أن خرج إلى قومه حتى أصبح فى موضع الملقى والموحى .
إذن لو جاز أن يكون هناك وحى مباشرة من الله إلى النحل والأرض وأم سيدنا موسى، أفلا يجوز بين الله والنبى؟ وحى يضاف إلى الوحى غير المباشر بواسطة الأمين جبريل، إننا نعرف الوحى عن طريق سيدنا جبريل، أما كيف كان الوحى مباشراً فقد ذكر فى قصة المعراج: “ثم دنا فتدلَّى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى”.
لذلك قلنا: إن الوحى سر بين ملقى ومتلقى، يقول تعالى: “وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً”، ويمكن القول إن الوحى هو سر بين المتناجين، والنجوى قد تكون وسواساً من الشيطان، لكن ليس كل نجوى من الشيطان، يقول سبحانه: “يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله”.
وخلاصة القول: إن ما انقطع من وحى هو فقط وحى الرسالة. أما وحى الإلهام والمنام فهما مستمران إلى يوم تقوم الساعة. ولا حول ولا قوة إلا بالله .





























