الأزهر يصنع جيلًا جديدًا من القراء المتمكنين
حفظت القرآن في عام.. وجعلته مشروع عمري
لم أسع للشهرة.. ركزت على الإتقان وأطمح للتدريس بالجامعة
مسابقة بورسعيد نقطة التحول في حياتي
حوار محمد لملوم
من قلب “العزبة الحمراء” التابعة لقرية الأبعادية، دمنهور، البحيرة، ومن داخل منزلٍ بسيط كاد أن يتهالك قبل أن تعيد إليه بركة القرآن روحه؛ انطلقت حكاية الشاب الأزهري أحمد زكي فوزي. حكاية عنوانها الإصرار، ومتنها الإتقان، وخاتمتها الوقوف إمامًا في محراب الجامع الأزهر.
بدأت علاقة «عقيدتي» بأحمد قبل عام، حين اكتشفت موهبته خلال مشاركته في المسابقة الدولية ببورسعيد. اقتربنا يومها من شاب يحمل في صوته خشوع الآيات، وفي قلبه هما بسيطا صادقا: أن يوفقه الله لنيل المركز الأول ليسدد أقساط سقف منزله الذي جُدد بعد معاناة. يومها كشف لنا عن طموحه العلمي، وطلب التوسط لنيل إجازة على يد د. عبدالكريم صالح، رئيس لجنة مراجعة المصحف، وبشرته «عقيدتي» بأن من صدق مع الله صدق معه. وقد كان.
اليوم، شاء الله أن تتحقق الأمنية بأجمل مما تمنى؛ فلم تكن إجازته مجرد ورقة، بل وقوف مهيب في قبلة العلم “الجامع الأزهر”، برعاية وتوجيهات فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، ليؤم المصلين في تراويح الليلة الرابعة من رمضان 1447هـ، برواية “روح عن الإمام يعقوب الحضرمي”.
وفي هذا الحوار المستفيض، يفتح القارئ أحمد زكي البالغ من العمر ٢٠عاماً، الطالب بالفرقة الأولى بكلية القرآن الكريم بطنطا، قلبه ليروي تفاصيل رحلته.
الجذور والبدايات
يتحدث أحمد بابتسامة تملأها القناعة عن أسرته: نشأت في أسرة بسيطة. والدي كان مجنداً بالجيش وخرج منه بإصابة، وهو الآن يتقاضى معاشاً بسيطاً، أما والدتي فهي ربة منزل وهبت حياتها لتربيتنا. نحن ثلاثة أشقاء، والحمد لله، البيت كله عامر بالقرآن؛ أختي الكبرى خريجة المعهد الفني الصحي بالقاهرة، وأخي الأصغر “طلحة” يدرس في معهد القراءات بدمنهور، والثلاثة بفضل الله من حفظة كتاب الله كاملاً.
ختم المصحف
وعن التحول الجذري في مساره، يقول أحمد: كنت طالباً في التعليم العام، ولكن طموح والداي كان كبيراً في أن أحفظ القرآن. بدأت الرحلة في الصف الرابع الابتدائي في “كُتّاب” الشيخ مسعود عبدالمقصود حربي، في قرية “مشنية صالح” بالقرب من بلدتى “العزبة الحمراء”. كان الشيخ شديداً علي في البداية لمصلحتي، وبفضل الله أتممت حفظ المصحف كاملًا في غضون عام واحد تقريباً، وتحديداً في الترم الأول من الصف الخامس الابتدائي وأنا في الحادية عشرة من عمرى، وأجازني الشيخ لاحقاً برواية ورش.
مشروع العمر
لم يتوقف طموح أحمد عند الحفظ، بل قرر أن يجعل القرآن مشروع عمره؛ فالتحق بمعهد قراءات دمنهور ليمضي فيه 8 سنوات من الدراسة المتخصصة. بدأت بمرحلة التجويد سنتان، ثم مرحلة عالية القراءات ثلاث سنوات التي درس فيها القراءات العشر الصغرى، وصولاً إلى مرحلة التخصص التي تعمق فيها في دراسة القراءات العشر الكبرى. ويؤكد أن هذا الانتقال كان قراراً واعياً لبناء مستقبله على إتقان الحرف وضبط الرواية.
سجل التميز
توج أحمد مساره الدراسي بتفوق لافت؛ شارك فى العديد من المسابقات المحلية والدولية وحصد مراكز متقدمة بها. دولياً، رفع اسم مصر عالياً بحصوله على المركز العاشر في مسابقة أفريقيا الكبرى بتنزانيا، والثالث في جائزة قيرغيزستان الدولية، والثاني في جائزة بورسعيد الدولية في فرع القارئ المتفقه، وهي المسابقة التي لها مكانة خاصة في قلبه.

محراب الأزهر
عن كواليس انضمامه للجامع الأزهر، يوضح: الأمر بدأ بإعلان لطلاب الجامعة عبر الإنترنت، قدمت طلباً وخضت اختبارات صعبة نوعاً ما، ثم مقابلة شخصية في مشيخة الأزهر بحضور د. الضويني وكيل الأزهر. خضنا بعدها دورة تدريبية مكثفة وصلينا المغرب والعشاء في شهر شعبان كتدريب لنا بتوجيه من د. هاني عوده مدير عام الجامع الأزهر.
ويصف شعوره في محراب الأزهر: بالتأكيد هناك رهبة، فرمضان له خصوصية والجامع الأزهر له هيبة ومكانة تاريخية. لكن بمجرد أن قرأت الفاتحة، شعرت بالسرور والاستبشار والطمأنينة، وفتح الله عليّ بالثبات والفتح. وقد وجدت صدى طيباً جداً من الجمهور وثناءً من قادة الأزهر مثل د. عبدالمنعم فؤاد، الشيخ حسن عبدالنبى، د. أسامة الحديدي.
رسائل الوفاء
في لفتة وفاء مؤثرة، يهدي أحمد نجاحه لوالديه قائلاً: أهدي كل نجاح لوالداي، وأتمنى أن يقدرني الله على رد الجميل لهما ولو بجزء بسيط مثل رحلة حج أو عمرة. كما خص بالشكر شيوخه وأساتذته في معهد دمنهور وكلية طنطا، ومؤسسة الأزهر وفضيلة الإمام الأكبر الذي يتمنى مقابلته، د. محمد الضويني على تشجيعه.
وعن أحلامه القادمة، يقول: أطمح لأن أصبح أستاذاً بجامعة الأزهر، وعضواً في لجنة مراجعة المصحف.
نصيحة للشباب
واختتم أحمد حواره بنصيحة للجيل الصاعد: تعلقوا بالقرآن وأعطوه من وقتكم، وسيعطيكم الله البركة؛ فصاحب القرآن لا يخذله الله أبداً. أما عن الأزهر، فقال بحزم: الأزهر صرح شامخ حافظ على التراث الإسلامي، وكما يقال لا يُرمى بالحجارة إلا الشجر المثمر، وأنصح كل الأهالي بالدفع بأبنائهم لهذا الصرح العريق.
وأكد أحمد في نهاية حديثه استعداده التام لضغط العمل بالجامع الأزهر خلال العشر الأواخر من رمضان، معبراً عن سعادته الغامرة بهذه المسئولية التي يعتبرها وساماً على صدره.





























