مصطفى شعبان: التنفيذ واجب لا خيار
محمد عبدالوهاب: درست سنوات.. فهل يُقصيني عام واحد؟
محمد راضي السيد: ست سنوات.. مع إيقاف التنفيذ!
محمد حسن: العلم لا يُقاس بالعمر
تحقيق_ محمد لملوم
في الوقت الذي استبشر فيه طلاب علوم القرآن بمعاهد القراءات بصدور قرار تاريخي بإنشاء كليتين جديدتين للقراءات وعلومها بجامعة الأزهر، لا تزال أزمة شرط السن تلقي بظلالها على المشهد، في ظل صدور أحكام قضائية نهائية لصالح عدد من الطلاب تقضي بإلغاء هذا الشرط وتمكينهم من الالتحاق، إلا أن تنفيذ تلك الأحكام ما زال يواجه عقبات، ما فجّر جدلًا قانونيًا واسعًا حول احترام حجية الأحكام وسيادة القانون.
انفراجة مؤسسية
نشرت الجريدة الرسمية (العدد 7 مكرر «د» بتاريخ 16 فبراير 2026) موافقة د. مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، على إنشاء كليتين جديدتين للقراءات وعلومها بجامعة الأزهر بالقاهرة؛ الأولى للبنين بمقر كلية الدعوة الإسلامية، والثانية للبنات بمقر كلية الدراسات الإسلامية والعربية.
يأتي القرار بناءً على عرض فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، ليعكس دعم الدولة واهتمام القيادة السياسية، وعلى رأسها الرئيس عبدالفتاح السيسي، بأهل القرآن، وحرصها على تعزيز الريادة المصرية في علوم التلاوة، وفتح آفاق أوسع أمام خريجي معاهد القراءات.
دور «عقيدتي»
كانت «عقيدتي» قد أثارت القضية في عددها الصادر في 19 أغسطس الماضي، مؤكدة أن وجود كلية واحدة فقط لعلوم القرآن على مستوى الجمهورية لم يعد كافيًا لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الحفاظ، خاصة مع استمرار قيود السن التي تحول دون استكمال خريجي مرحلتي «العالية» و«التخصص» بمعاهد القراءات لمسيرتهم الجامعية.

أحكام نهائية
وفي تطور لافت، أكد المحامي مصطفى شعبان، وكيل عدد من الطلاب، أنه حصل على أربعة أحكام قضائية نهائية وباتة من محكمة القضاء الإداري لصالح أربعة طلاب، تقضي جميعها بإلغاء شرط السن وتمكينهم من الالتحاق بكلية القرآن الكريم. موضحاً أنه استخرج بالفعل الصيغ التنفيذية لهذه الأحكام، ما يجعلها واجبة النفاذ قانونًا دون حاجة إلى أي إجراء إضافي، مؤكدًا أن الحكم القضائي النهائي عنوان للحقيقة وواجب الاحترام من جميع جهات الإدارة.
أشار إلى أنه، رغم ذلك، لا يزال يواجه ما تعنت في التنفيذ من جانب الجهات المعنية بالأزهر، موضحًا أن هناك سابقة لطالبات حصلن على أحكام قضائية مماثلة، وتم تنفيذها شكليًا بإلحاقهن بالكلية، إلا أنهن فوجئن بمنعهن من دخول الامتحانات، الأمر الذي يهدد بضياع عام دراسي كامل، ويضع مستقبلهن العلمي في مهب الريح.
وشدد المحامي على أن الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي نهائي يمثل مخالفة صريحة للدستور والقانون، ويشكل جريمة يعاقب عليها القانون، لافتًا إلى أن موكليه استوفوا جميع الشروط العلمية المطلوبة، ولم يتبق سوى تنفيذ مقتضى الأحكام الصادرة لصالحهم.
وأكد استمراره في اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة، سواء عبر مخاطبة الجهات المختصة أو اتخاذ مسارات قانونية جديدة، لضمان تنفيذ الأحكام وتمكين الطلاب من حقوقهم المشروعة، مشددًا على أن القضية لم تعد مجرد نزاع إداري، بل أصبحت مسألة تتعلق بسيادة القانون واحترام أحكام القضاء.
رصد الأحكام
وفي سياق متصل، حصلت «عقيدتي» على العديد من الأحكام القضائية النهائية الصادرة عن محاكم القضاء الإداري، التي تقضي جميعها بإلغاء شرط تقييد الحد الأقصى للسن للالتحاق بكلية القرآن الكريم، بما يعزز موقف الطلاب قانونيًا، ويؤكد اتجاهًا قضائيًا مستقرًا برفض هذا القيد.
وفي أحدث تلك الأحكام، قضت مجلس الدولة بمحكمة القضاء الإداري (الدائرة السابعة) بإلغاء قرار المجلس الأعلى للأزهر الصادر بجلسته رقم (328) بتاريخ 10 سبتمبر 2024، والمعتمد من شيخ الأزهر، فيما تضمنه من إضافة شرط ألا يزيد سن المتقدم للالتحاق بكلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بطنطا على 26 عامًا للحصول على درجة الإجازة العالية (الليسانس).
خلفية الدعوى
كان المدعي قد أقام دعواه طعنًا على قرار تعديل المادة (4) من اللائحة الداخلية لكلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بطنطا، جامعة الأزهر، والذي اشترط حدًا أقصى للسن لا يتجاوز 26 عامًا، فضلًا عن اشتراط حداثة المؤهل. وأوضح أنه حاصل على شهادة تخصص القراءات من معاهد القراءات الأزهرية للعام الدراسي 2024/2025، إلا أنه مُنع من التقدم لاختبارات القبول لتجاوزه السن المحدد.
ضوابط القبول
وفي خلفية هذه الأزمة، كان قرار المجلس الأعلى للأزهر الصادر العام الماضي قد أقر حزمة من الضوابط العمرية المنظمة للقبول، فنص على ألا يتجاوز سن المتقدم (22 عامًا) لمرحلة التجويد، و(27 عامًا) لمرحلة عالية القراءات بمعاهد القراءات، مع تحديد سقف (26 عامًا) للالتحاق بكلية القرآن وشعبة القرآن والقراءات، وبعدها تم فتح برامج خاصة بمبالغ مالية تبدأ من 30 الف جنيهًا للعام الدراسى أمام الدارسين. وقد جرى تبرير القرار آنذاك بأنه يستهدف ضبط منظومة القبول وإحكام التنظيم الإداري للعملية التعليمية، غير أن تطبيقه على أرض الواقع فجر موجة من الطعون القضائية، انتهت إلى صدور أحكام نهائية متتالية بإلغاء شرط السن، لتتحول المسألة من مجرد تنظيم إداري إلى نزاع قانوني عنوانه: حدود سلطة الإدارة في مواجهة نصوص الدستور وأحكام القضاء.
حيثيات الحكم
أكدت المحكمة أن الدستور كفل الحق في التعليم، وأرسى مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين دون تمييز، مشددة على أن أي قيد على هذا الحق يجب أن يستند إلى أسس موضوعية تبرره، وألا ينطوي على تفرقة تحكمية.
وأوضحت المحكمة أن قانون إعادة تنظيم الأزهر ولائحته التنفيذية لم يتضمنا تحديد حد أقصى للسن للالتحاق بكليات جامعة الأزهر، وأن اشتراط سن معينة دون سند تشريعي يُعد مخالفة لمبدأ المشروعية. كما رأت أن التمييز بين الحاصلين على ذات المؤهل العلمي استنادًا إلى معيار السن فقط يُخل بمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص، ولا يرتبط بطبيعة الدراسة أو متطلباتها الأكاديمية.
أضافت: تنظيم القبول يجب أن يدور في فلك الضوابط الدستورية والقانونية، وأن يكون قائمًا على الجدارة والقدرة العلمية، لا على اعتبارات لا تستند إلى ضرورة أو مصلحة عامة حقيقية.
وانتهت المحكمة إلى قبول الدعوى شكلًا، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون عليه فيما تضمنه من اشتراط ألا يزيد سن الطالب على 26 عامًا للقيد بكلية القرآن للقراءات وعلومها بطنطا، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها تمكين المدعي من السير في إجراءات القبول دون التقيد بشرط السن، وإلزام جهة الإدارة المصروفات.
ويُعد الحكم تأكيدًا قضائيًا جديدًا على خضوع القرارات الإدارية للرقابة القضائية، وترسيخًا لمبدأ أن الحق في التعليم لا يجوز تقييده بقيود غير مبررة أو تمييزية، خاصة إذا تعلقت بطلاب استوفوا الشروط العلمية وأتموا سنوات طويلة من الدراسة المتخصصة في علم القراءات.
شهادة طالب
وفي السياق ذاته، يقول محمد عبدالوهاب سعد، 27 عامًا، كفر الشيخ، إنه التحق بمعهد القراءات في مرحلة عالية القراءات لكونه حاصلًا على الإعدادية الأزهرية، ثم واصل مسيرته العلمية بالالتحاق بمرحلة تخصص القراءات، تخرج 2025، وكان من المفترض أن يستكمل دراسته بكلية القرآن. موضحاً أنه تقدم بالفعل عبر الموقع الإلكتروني لجامعة الأزهر، واستخرج استمارة طلب الالتحاق بعد سداد رسوم اختبار القبول، إلا أنه فوجئ بعدم قبول ملفه بسبب تقييد السن بما لا يزيد عن 26 عامًا.
أضاف؛ أن هذا القرار حرمه من استكمال مسيرته التعليمية وتحقيق حلمه بعد سنوات من الدراسة المتخصصة في علم القراءات، ما دفعه إلى اللجوء للقضاء، وحصل على حكم نهائي بأحقيته في الالتحاق بكلية القرآن.
وأكد أنه، يواجه تعنتًا من المسؤولين في عدم تنفيذ الحكم.
مطالبة قضائية
فى سياق متصل يقول محمد راضي السيد، 32 عامًا، خريج القراءات دفعة 2025، إنه استوفى جميع إجراءات التقدم وخاض اختبار القدرات، وسدد الرسوم، إلا أنه فوجئ بمنعه من استكمال القبول بدعوى تجاوز شرط السن. وأوضح أنه التحق بالمعهد وعمره 23 عامًا، وقضى ست سنوات بين مرحلتي العالية والتخصص، متسائلًا عن كيفية اشتراط حد أقصى للسن رغم أن الدراسة بالمعهد تستغرق هذه المدة. وأنه لجأ للقضاء وحددت دعواه جلسة 12 أبريل المقبل، وأشار إلى أن قبول بعض الطلاب ببرامج خاصة مرتفعة المصروفات يثير تساؤلات حول معايير المفاضلة.

شهادة جديدة
وفي شهادة لافتة تعكس أبعاد الأزمة، يقول محمد محمد حسن، 61 عامًا، الطالب بمعهد قراءات الإسكندرية، إنه التحق بالمعهد لأول مرة مطلع الألفينات، ثم انقطع عن الدراسة لسنوات بعد تعثره دراسيًا، قبل أن يعود 2019، وقد تجاوز الخامسة والخمسين، ليبدأ رحلة جديدة مع علم القراءات. وأنه نجح في اجتياز مراحل العالية والشاطبية والتخصص، ويستعد للتخرج في التخصص، مؤكدًا أن دفعته تضم طلابًا من أعمار متفاوتة، بعضهم تجاوز الستين، ما يعكس أن معاهد القراءات ظلت عبر تاريخها مفتوحة أمام مختلف الأعمار دون تمييز. موضحاً أنه فوجئ، بقرار قصر الالتحاق بكلية القرآن على من لا يتجاوز 26 عامًا، معتبرًا أن ذلك يحرم من أفنوا سنوات الدراسة من استكمال مسيرتهم العلمية. وأن البديل المطروح عبر بعض البرامج الخاصة بمصروفات تصل 30 ألف جنيه سنويًا، مطالبًا بإعادة النظر في شرط السن.
أزمة السن
تتزامن هذه التطورات مع استمرار الجدل حول تقييد سن الالتحاق بمعاهد القراءات وكلية القرآن، حيث أشار عدد من أساتذة القراءات إلى أن تحديد السن يخلق فجوة زمنية تجعل الطالب، إذا التحق بالعالية في آخر سن مسموح، يتخرج من التخصص وقد تجاوز الحد الأقصى للقبول الجامعي، فيُحرم من استكمال دراسته.
وحذروا من أن استمرار هذه المعادلة قد يؤدي إلى تقليص أعداد الدارسين، وانحسار دور الأزهر في تخريج المتخصصين في علم القراءات، أحد أدق العلوم الشرعية وأندرها.
تحذير وتصعيد
ويرى متابعون أن توالي صدور الأحكام القضائية النهائية بإلغاء شرط السن قد يدفع مزيدًا من الطلاب إلى سلوك المسار القضائي للحصول على الحقوق ذاتها، في ظل اتجاه قضائي مستقر في هذا الشأن، بما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الدعاوى المماثلة. وفي المقابل، يحذر عدد من أساتذة وعلماء القراءات من أن الإبقاء على الضوابط العمرية بصورتها الحالية يهدد بتراجع الإقبال على معاهد القراءات، وربما تقليص دورها التاريخي، خاصة إذا وجد الطلاب أن سنوات الدراسة قد تنتهي إلى عائق إداري يحول دون استكمالهم المسار الجامعي، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مستقبل هذا التخصص الدقيق والنادر.
بين التوسع والتنفيذ
وبينما يمثل إنشاء الكليتين الجديدتين خطوة مهمة نحو التوسع واستيعاب أعداد أكبر من الطلاب، تبقى أزمة تنفيذ الأحكام وملف شرط السن اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنظومة على المواءمة بين التنظيم الإداري والالتزام الدستوري. فالقضية اليوم لا تتعلق فقط بمقاعد دراسية، بل بحقوق طلاب قطعوا سنوات طويلة في دراسة علم القراءات، ينتظرون تنفيذ أحكام قضائية، حتى لا تتحول بشرى التوسع إلى أزمة جديدة عنوانها: أحكام واجبة التنفيذ تنتظر الإنفاذ.





























