المتأمّل في ملكوت الوحي الإلهي يدرك أن القرآن الكريم يمثّل المركزية الكبرى التي يدور حولها الوجود الإنساني، فهو المصدر الأسمَى الذي يمنح العقل توازنه، ويمنح القلب طمأنينته الساكنة، مصداقاً لقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، فهداية القرآن تمثّل طاقة وجودية هائلة، تخرِج الإنسان من حيّز الحيرة إلى سعة اليقين، وتجعل منه كائناً ربّانياً يعمِّر الأرض بالخير والجمال، وتتجلّى هذه الهداية في كون القرآن خطاباً جامعاً يشعّ في العقل فكْراً وفي القلب طُهراً، ليكون المؤمن تجسيدًا حيّاً لهذا الوحي، كما وصفت السيدة عائشة- رضي الله عنها- حال النبي صلى الله عليه وسلم بقولها {كان خُلُقه القرآن} [رواه مسلم] .
إن القرآن يشيّد بناء الشخصية السوية عبر مسارات متكاملة تصنع الإنسان الحضاري، فنجد مسار التزكية الذي يطهّر الوجدان، ومسار التفكُّر الذي يطلق العقل في آفاق التدبُّر في ملكوت السماوات والأرض، إننا نجد في ثنايا النصّ الشريف دعوات متكرّرة لإعمال الفكر وفهم سُنن الله في الكون، مما يربط الإيمان بالعِلم ربطاً وثيقاً لا انفصام له، ويجعل من المعرفة طريقاً موصلاً إلى الخشية والتعظيم، فتلك الهداية القرآنية تجعل من المؤمن إنساناً قرآنيًا يرى في كل آية دعوة للارتقاء بآدميته، ونشر قيم الرحمة بين بني البشر جميعاً، تمثُّلاً لقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فيغدو المسلم غيثاً أينما وقع نفع، محقِّقاً جوهر الخيرية التي ذكرها النبي في قوله {خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ} [رواه الطبراني].
إن المنهج الوسطي الرصين يرى في القرآن الكريم المحرّك الأساسي لحركة التاريخ وبناء الإنسان وصناعة الحضارة، إذ تدفع هدايته المسلمَ نحو الإبداع في شتّى ميادين العلوم، بكون المعرفة طريقاً موصِّلاً إلى الخشية والتعظيم، لذلك فهداية القرآن تصنع مجتمعاً متماسكاً يقوم على العدل المطلَق ورعاية حقوق الإنسان، ويجعل من الأخلاق الفاضلة المعيار الحقيقي لرفعة الأمم، فتُمْسي آيات الله دستوراً للجمال والكمال والترقّي الروحي والمادي، وصمام أمان يحفظ للمجتمعات تماسكها وقوّتها في وجه أعاصير الفتن وتحديات الوجود.
ويظل القرآن هو المورِد العذب الذي يروي ظمأ الأرواح في كل زمان ومكان، فهو يحمل في طيّاته إجابات شافية لأسئلة العصر الوجودية وتحدياته الكبرى، فالتمسُّك بهدي الوحي يمنحنا القدرة على مواجهة تقلُّبات الحياة بقلوب مؤمنة وعقول متفتّحة، تجمع بين ثوابت الدين ومتغيّرات المدنية الحديثة في تناغم بديع، إننا اليوم في أمسِّ الحاجة إلى استحضار أنوار القرآن في سلوكنا اليومي، وتحويل قيمه الجمالية إلى واقع مُعاش يراه الناس في تعاملاتنا الرّاقية، فالقرآن يظل هو الشمس التي تشرق بالأمل، واليد الحانية التي تأخذ بالبشرية نحو مرافئ الأمان، محقِّقاً بذلك أسمَى غايات الوجود الإنساني في عمارة الكون ونشر الخير والمودّة بين سائر العالمين.





























