هل صدق ظن بعض كبار المشاهير في تجنب ركوب الطيارات وتفضيل وسائل أخري أقل تطورا في السفر؟ بالطبع كل وسائل النقل ليست آمنة بالكلية وكلما زاد التطور زاد معدل الأمان، خصوصا في ظل المجهودات العلمية والتقنية الكبيرة لتأمين الركاب وأطقم القيادة، وبالرغم من ذلك تبرز بعض خروقات الأمان.
وفي هذا الصدد نتقدم بعرض بعض خروقات الأمان وطرق علاجها، وذلك لطائرات الركاب وبعض الطائرات الحربية التي تحلق علي ارتفاعات كبيرة.
يتمثل هذا الخطر في الأشعة الكونية التي تهدد سلامة ركاب الطائرات وأطقم القيادة حال تحليقها علي ارتفاعات من 9-12 كم، وهي ذاتها الارتفاعات التي تفضلها الطائرات خلال تنقلاتها بين البلدان.
ومن هنا تظهر عدة أسئلة بديهية: هل تخرج الطائرات خارج الغلاف الجوي عند تحليقها؟ وبالطبع الإجابة: لا. حيث يرتفع الغلاف الجوي من فوق سطح الأرض 220-250 كم. وينقسم الغلاف الجوي الي طبقات كل لها مواصفاتها المختلفة وتتدرج من الأقرب للأرض للأبعد كالتالي: الستراتوسفير؛ والميزوسفير؛ والثرموسفير؛ والأكسوسفير.
ومن هنا نتساءل: ما هي الأشعة الكونية؟ هي جسيمات مشحونة (معظمها أنوية ذرات مثل الهيدروجين والهليوم) ذات طاقة عالية تسير تقريبا بسرعة الضوء وعند اصطدامها بالغلاف الجوي تنشأ الأشعة الثانوية التي نحن بصدد التعامل معها خلال هذا العرض؟
إذن؛ ما هي الأشعة الثانوية؟ هي إشعاعات خطيرة جدا ومؤثرة على صحة الإنسان وتشمل أشعة جاما وإكس والنيوترونات المسرعة والإشعاعات الأخرى بنسب أقل أمثال الميكروويف وغيرها؛ وهنا يبرز تساؤل: هل هذه الأشعة معلقة في الجو ولا تصل إلى الأرض؟ الحقيقة أنها تصل؛ ولكن تكون بكميات مخففة جدا بالمقارنة بما ينتشر منها عند الارتفاعات العالية.
ومن هنا نصل إلي خطورة الأشعة وكثافتها على ارتفاع 9-12 كم من الأرض؛ وتختلف هذه الكثافة تبعا للمناخ والتوزيع الجغرافي؛ وحيث تكون أكثر خطورة في أوروبا الشرقية وفي أوقات معينة من العام حتى أن الطيران الحديث يزود الطيارين بخريطة المناخ وإمكانية ثورة الأشعة الكونية الثانوية؛ وكيف يمكن تجنبها؛ إما بالارتفاع أكثر؛ أو الانخفاض أقل؛ أو تغيير وقت الرحلات؛ أو إلغاء الرحلة واختيار اوقات مختلفة؛ كما يزود أطقم الطائرات ببعض أدوات قياس الأشعة الضرورية حتي يتمكنوا من قياس الجرعات الإشعاعية التي يتعرضون لها والتي لا يجب أن تتعدي حدا معينا (20ملي سيفرت/سنة بمتوسط 5 سنوات) وإلا كانت لها تأثيرات خطيرة منها التحسس والحكة والتأثير علي الإنجاب وقد يصل إلي حدود الإصابة بأمراض خطيرة مثل السرطانات المختلفة وكذلك التأثير علي الحوامل والجنين نفسه، كذلك لها أضرار كبيرة علي أجهزة التحكم في الطائرات وذلك بالتأثير علي تغير المجال المغناطيسي في أجهزة الكمبيوتر في كابينة القيادة مما قد يؤدي إلي زيادة احتمالات تعرض الطائرات لحوادث مميتة. وقد بدأت بعض شركات الطيران سحب بعض طائراتها بعد تعرضها للضرر في هذا الشأن.
وقد تناولنا هذه المشكلة بالدراسة العلمية ابتغاء التخلص من أخطارها؛ وكما عرضنا من قبل من خلال تزويد قائد الطائرة بمعلومات كافية عن المناخ وثورة الأشعة الكونية الثانوية كذلك، ومتابعة أطقم الطائرات والمسافرين الذين تزيد سفرياتهم عن مرة/شهر وخاصة السفريات الطويلة بحيث لا تزيد جرعاتهم الإشعاعية عن 3 مللي سيفرت للركاب ومسموح حتى 100 مللي سيفرت/ 5 سنوات وهي القيمة القصوى للطيارين وبعدها يأخذ إجازة إجبارية عن التحليق.
ولتوضيح هذه القيم من الجرعات نجد أن الجرعة الاشعاعية المسموح بها للأشخاص العاديين في حدود 1 مللي سيفرت/عام. ورغم إيجابية هذه الإجراءات إلا أنها غير كافية والاقتراح هنا هو: وضع مواد تستطيع امتصاص أو صد هذه الأشعة؛ ويجب مراعاة أن تكون خفيفة الوزن حتى تكون غير مؤثرة على قدرات الطائرة في التحليق؛ كما يجب أن تكون مناسبة من حيث العمل بكفاءة في مدى واسع من درجات الحرارة العالية والمنخفضة؛ كذلك يجب أن تكون لها خواص ميكانيكية جيدة وتستطيع العمل لأزمنة طويلة دون تسرب إشعاعي؛ وتكون سهلة الصب؛ ويمكن استبدالها بسهولة عند انتهاء صلاحيتها؛ كما يجب أن تكون المواد المقترحة ذات مواصفات تتمكن من خلالها التصدي لكثير من الإشعاعات المختلفة وخاصة ذات الترددات العالية؛ وقد بدأت ناسا في العمل علي الوصول لمنتج تمتلك هذه المواصفات ولم تعلن النتائج حتي الآن؛
وقد قام فريقنا البحثي بتحضير بعض هذه المواد التي- بحمد الله- نجحت معمليا نجاحا منقطع النظير واستطاعت صد أو توهين أشعة جاما وتم نشرها في دورية متميزة (Composite communications, Elsevier publisher) كما تم تقديم مواد اخري من خلال تحضيرها وتوصيفها وإثبات قدراتها في التخلص من أشعة جاما بطريقة ناجحة جدا وتم نشرها في دورية (Radiation Physics and Chemistry, Elsevier publisher)) وتعتمد هذه الأطروحات علي تحضير مواد متقاربة الجزيئات لأقصي حد وتعتمد علي عناصر غير تقليدية مثل الكربون في صورته النانومترية والمغناطيسية او من خلال عمل معقد مع بعض البوليمرات ذات المحتوي المائي المرتفع حتي تتمكن من صد أشعة جاما والنيوترونات المسرعة وكذلك امتصاص الميكروويف.
كما يجري الآن استخدام تقنيات جديدة ومبتكرة لتقديمها لمعالجة هذه المشكلة كما يتقدم فريقنا البحثي باقتراحات للتصميمات كشكل نهائي للمواد المقترح ضرورة وجودها وتكون واقية داخل الطائرات والتي يمكن تطبيقها بعد الاستقرار عليها وبعد الاختبارات لهذه المواد في الطائرات كتجارب حية، كما أن هناك مواد بالطبع يتم اقتراحها في جسم الطائرات وبعضها توضع على الشباك الزجاجي وذلك لتناسب طبيعة التصميم الحالي للطائرات.





























