د. أسامة أمين: تأمّل علاقة الرسول بزوجاته يحل مشاكلنا
د. سعيد محروس: حُسْن المعاشرة الزوجية عبادة يثاب فاعلها
أدار الندوة: جمال سالم
أكد العلماء في ندوة “عقيدتي” ووزارة الأوقاف برعاية د. أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، بمسجد سيدي عوّاض بمدينة قليوب، تحت عنوان” الحوار الزوجي السبيل للمودّة” أن من فهم الضوابط الشرعية للعلاقات الأُسرية، ومنها الحوار البناء وحُسن المعاشرة، فـ”طُوبى” له وهو من الفائزين، أوضحوا أن تحلّي كل من الزوجين بتقوى الله يولّد الاستقرار الأسري الذي يربّي أجيالا صالحة. وحذروا من العصبية والأنانية التي تؤدي للطلاق الصامت أو الخرس الزوجي.

وطالبوا الأزواج والزوجات بتأمّل علاقة الرسول بزوجاته مما يساعد على حل كثير مشاكلنا لأن حسن المعاشرة الزوجية تعد عبادة يثاب فاعلها. حضر الندوة الشيخ محمد نوار- كبير مفتشي أوقاف قليوب- الشيخ هشام محمد عبدالفتاح، من إدارة الوعظ بالأزهر.
أوضح الزميل جمال سالم، مدير تحرير عقيدتي، أن الحوار الزوجي الفعال فن ومهارة لا يتقنها كل أحد، وهو أحد أسباب ترسيخ مبادئ الاحترام والتقدير والقرب العاطفي والفكري والروحي بين الزوجين، إلا أن الفجوة تتّسع في كثير من البيوت الآن بسبب ضعف أو عدم وجود حوار فعال بين الأزواج، وهذا يؤثر على سير الحياة الأسرية بشكل عام، ويؤثر على الأبناء وعلى تربيتهم بصورة إيجابية، وإذا لم يكن بين الزوجين حوار واضح ومباشر، وكلاهما يضمر في نفسه ما لا يستطيع مناقشته مع الآخر، ويعيش متكلّماً مع نفسه فقط، فهذا ضرره وعاقبته على الحياة الزوجية فوق كل تصوّر، لأنه بعد فترة من الزمن سيكتشف الزوجان أن كل واحد منهما يعيش خصوصياته فقط لا يشاركه فيها أحد بمفرده يأخذ القرار، وبنفسه ينفّذه.
الحوار الفعال
أكد د. أسامة أمين، مدرس الحديث بكلية أصول الدين بالقاهرة- جامعة الأزهر، أن الزواج آية من آيات الله القائل:” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”، لا شك أن أفضل كلام وأحلى كلام ينبغي أن يكون بين الزوجين، وإذا كان الإنسان في الخارج مع البشر ومع الناس يعاملهم بالمعاملة الجيدة؛ فينبغي أن تكون المعاملة الأجود داخل بيته، هذا الكلام نوجهه للرجل والمرأة، والنبي كان في بيته ضحَّاكًا بَسَّامًا يُدخل السرور على أهله، واللجوء إلى الله من أجل أن يؤلّف القلوب، ولهذا يجب تجنّب الحوار الجاف الذي فيه تشاحن وتطاول لأنه يؤدي إلى المعاصي التي لها شؤمها وثمارها المُرَّة على العلاقة الزوجية، والأفضل من ذلك أن يتم العمل على إيجاد قواسم مشتركة، والحوار مع الزوجة في قضايا عامة، ليس من الضروري أن تكون كل المسائل ممَّا فيه الإشكالات، فالحديث العام وفي الأمور العامة؛ هذا يعطي فرصًا للنقاش والحوار، دون أن تكون هناك دعوة إلى الصعود في اللغة وظهور النقاش الحاد، وغير ذلك، ومن المهم جدًّا أن يعرف كل طرف ما الذي يُزعج الآخر، وعليهما أن يتذكرا أن خير الأزواج عند الله خيرهم لصاحبه، وندعوهما للمحافظة على قراءة القرآن والتناصح بالحسنى والتفاعل والتماس الأعذار، والمواظبة على أذكار الصباح والمساء، والرقية الشرعية على قواعدها وضوابطها المرعية.

ووجَّه د. أسامة كلامه للزوج باعتباره القوّام على الحياة الزوجية وقائدها لقوله تعالى:” الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ…”، ننصح الزوجين باختيار الأوقات المناسبة للحوار، وانتقاء الكلمات الجميلة، وتجنب القناعات المعلّبة، فمثلا بعض الرجال يقول:” النساء لا يفهمن” و”ناقصات عقل دين”، والنساء يقلن:” الرجال كلهم عصبيين وكلهم يحبون السيطرة وإذلال المرأة…”!، وعلاج ذلك اختيار الوقت المناسب للحوار، مع العلم أن ثقافة الحوار تحتاج إلى تعليم وتركيز، حتى طريقة الجلوس، وعليك أن تعلم أن المرأة إذا تكلمت تريد الذي ينصت إليها، ويركز معها، ويستمع إليها، فالمرأة تحب المنصتين، وكذلك على الزوجة أن تُدرك أن الرجل يحتاج إلى أن يُحترم، فلا ترفع صوتها عليه، وتستمع لكلامه.
وأوضح أن الحياة الزوجية المستقرة تقوم على فعل وجهد مشترك من الطرفين، وأهم النصائح العملية لبناء زواج ناجح ومستقر أن يتم التواصل الصادق والهادئ، والتحدث الصريح عن مشاعرهما واحتياجاتهما، ويستمعا لبعضهما دون مقاطعة أو تهكّم، وأن يتجنّبا كتمان الغضب حتى لا يتحول إلى تراكمات، والحرص على الاحترام المتبادل وألا يستخفَّا بمشاعر بعضهما حتى أثناء الخلاف، وأن يبتعدا عن الإهانة أو التقليل من الشأن مع احترام اختلاف الطباع والآراء مما يتطلب حل الخلافات بحكمة، والتركيز على حل سبب المشكلة لا على كسب الجدال مع اختيار الوقت المناسب للنقاش بعيدًا عن التوتر، مع التأكيد على ثقافة الاعتذار عند الخطأ دون تردد ومضاعفة الاهتمام والتقدير اليومي بكلمات الشكر أو التصرف الايجابي البسيط الذي يصنع فرقًا كبيرًا في طبيعة الحوار الزوجي والتعبير عن الحب والعواطف بطرق تناسب الطرف الآخر، مع تخصيص وقت خاص للتعبير عن العواطف والتفاهم بعيدًا عن ضغوط الحياة مثل الذهاب لرحلات خاصة مما يزيد الثقة والشفافية والصدق ليكونوا أساسا للأمان في العلاقة وتجنّب الأسرار التي تهز الثقة، ومن المهم أن يدعم الزوجين بعضهما في القرارات المهم والمشاركة في المسئوليات وتقسيم الأدوار بشكل عادل ومرن والتعاون في تربية الأبناء وإدارة المنزل حتى يعتبرا أنفسهما فريقًا واحدًا يعمل على التجديد وكسر الروتين بوضع خططا لأنشطة مشتركة جديدة، والاحتفال بالمناسبات الخاصة حتى لو ببساطة، أن يفاجئا بعضهما بلفتات غير متوقعة، والصبر والتغاضي، وتجاهل بعض الهفوات الصغيرة يحمي العلاقة.
ونبّه د. أسامة الزوجين إلى أنه من الواجب على كل من الزوجين المعاشرة بالمعروف؛ لأن الله قال: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”، مؤكدا أن الأسرة تبدأ في التفكّك الضمني، حتى وإن بدت في ظاهرها أسرة متماسكة، وقد يصل الأمر إلي أن يجعل كل واحد منهما غرفة نوم خاصة به، وتتطور الحالة إلي تناثر وتشتت تام في السلوك اليومي للحياة الأسرية، وبذلك يصبح في البيت الواحد بيتان منعزلان كلياً، ويؤدي الانفصال السلوكي والروحي بين الزوجين حواجز وسدود تعلو مع مرور الوقت، ومن أجل تحطيم هذه السدود لا بد أن يكون عندهما قناعة بضرورة الحوار في كل أمر من أمورهما يتحدثان عن إيجابياته وسلبياته، وهذا يترتب علي قناعة كليهما معاً، وبهذا تصبح قراراتهما مشتركة، مهما صعبت.
ضوابط شرعية
أكد د. سعيد محروس- خطيب مسجد سيدي عواض- أن الله أمرنا بأن نحسن القول لكل الناس وأولى الناس بذلك الزوجة وكل أفراد الأسرة “… وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا…”، ولاشك أن الحوار الفعال بين الزوجين من أهم وسائل تربية الأبناء، وبمجرد ما تنضبط العلاقة والحوار بين الأبوين وتتهذب فإنك تقطع شوطا كبيرا في ترسيخ عدة مبادئ لدى أبنائك، وتحسن من حالتهم النفسية بصورة تلقائية، فالحوار ليس مجرد لغة للتفاهم، وإنما هو ساعي بريد حب بين الزوجين، ومؤشر للعلاقة العاطفية. فالحوار الفعال يرسل رسائل إيجابية دائمًا للطرف الآخر بأننا متحابّان ومنسجمان، وبأن العلاقة بيننا قوية لدرجة أننا نستطيع تفهّم بعضنا بصورة إيجابية والوصول في النهاية لنتائج جيدة في أحلك الظروف، لذا فنحن أيضًا ناجحان في علاقتنا هذه، وكل هذه رسائل يرسلها الحوار الفعال لكلا الزوجين مما يؤدي لعلاج كثير من المشكلات، بل يساعد على عدم وقوع المشكلات أصلاً وقتلها في مهدها، لأن غالبية المشاكل بين الزوجين سببها الأساسي عدم وجود قواعد محددة للتفاهم والحوار، فإذا وجدت هذه القواعد ستختفي المشاكل تلقائياً، أو سيكون حل هذه المشاكل سهلا ويمكن تجاوزه بسهولة، فكم من مشكلات بسيطة لأقصى درجة لكنها تفاقمت بسبب أسلوب الحوار الخطأ، أو كلمة جارحة غير مقصودة قالها أحد الطرفين ساعة الخلاف!! لكن لو كانت هناك قاعدة مشتركة من مبادئ الحوار الواعي لانتهت تلك المشكلة في نفس اللحظة.
أوضح أن الحوار بين الزوجين عملية تفريغ مستمرة للمشاعر السلبية، خاصة عند المرأة، فالمرأة إذا فرحت تتحدث، وإذا حزنت تتحدث بشراهة أكبر، فإذا لم تجد من يشاركها الحوار والحديث في وقت حزنها وغضبها بالذات سيترتب على ذلك كبْت لمشاعرها السلبية تلك، وهذا بالتالي يؤثر سلبيًا بشدة على حالتها النفسية، وهو بدوره يؤثر على الحالة الأسرية بشكل عام ويشيع في المنزل جواً من التوتر، وتؤكد الأبحاث أن المرأة لابد لها أن تفرغ ما بداخلها حتى تشعر بالراحة، ودور الرجل هنا هو مجرد الاستماع والتعاطف وليس مطالبًا بتقديم أية حلول في أغلب الأحوال، ويكفيه الاستماع باهتمام والاحتواء و أن يتفهّم ذلك ولا يشعر حينها أنها تتّهمه أو تهاجمه، كما أن الحوار الفعال بين الزوجين من أهم وسائل تربية الأبناء، وعندما تنضبط العلاقة والحوار بين الأبوين وتتهذب فإنك تقطع شوطا كبيرا في ترسيخ عدة مبادئ لدى أبنائك، وتحسّن من حالتهم النفسية بصورة تلقائية، وتبث الطمأنينة بينهم والشعور بالأمان، أما الحوار المهين والشجار وتبادل الاتهامات والسباب فله أثر سلبي رهيب على الأبناء، ويجعلهم دائمًا في حالة توتر واضطراب وخوف، لاسيما في سنوات العمر الأولى ومرحلة الطفولة المبكرة، فالآباء هم القدوة الكبرى لأبنائهم، وحينما يرونهم يحلون مشاكلهم بهذا الرقي والاحترام فلا شك أن ذلك سيعلمهم مبادئ الحوار وطرق حل المشكلات سواء فيما بينهم أو مع الآخرين.

أشار إلى أهمية معرفة الزوجين بالسيرة النبوية وتأمّل علاقة الرسول بزوجاته يساعد على حل كثير من مشكلاتنا الزوجية، كما أن هناك تقنيات الحوار الزوجي الفعال إذا التزم بها الزوجان سينجحان في مهمتهما بكل بساطة، فينبغي لكلا الزوجين أن يفهم كيف يتكلم الطرف الآخر ويفهم كيف يتحاور، لأنه وبسبب اختلاف طبيعة الرجل عن طبيعة المرأة فإن لكل منهما أسلوبه في الحوار، وما لم يتفهم الطرف الآخر هذه الطريقة فسوف ينتهي الحوار بمأساة وسوء فهم لا محالة.
ويطالب د. محروس الزوجين بحسن الاستماع وسعة الصدر، وترك الفرصة كاملة للطرف الآخر لكي يعبّر عن رأيه وفكرته وإكمالها حتى النهاية، لأن كثيراً من سوء الفهم ينتج عن الاجتزاء والأفكار غير المكتملة، فأحيانًا يبني الإنسان حكمًا على الآخر من خلال جزء من عبارته التي قالها، والتي يمكن لبقية الجملة أن تسهم في توضيح الجزء الأول منها وإظهاره وإزالة أي لبس أو سوء فهم في معناه، مع العلم أن الرغبة الملحة لدى المرأة في الكلام لا تدعها تعطي الفرصة لزوجها كي يتحدث، بل ينصب كل اهتمامها على التفنيد والرد على فكرته لا على فهمها فهماً كاملاً، فيكون تركيزها على الرد أكبر من تركيزها على الفهم. وفي المقابل أقول للرجل: وسّع صدرك على قدر طاقتك، ودع زوجتك تتحدث إليك كما تشاء لأنها تريد التنفيس عما بداخلها ولا تريد الشكوى، تريد تفريغ شحناتها السلبية بالكلام، وربما يكون هذا عكس طبيعة الرجل ولكن هذا سيريحه من عناء كبير مستقبلاً إذا كبتت الزوجة ذلك بداخلها وانفجرت على أتفه الأسباب، مع احترام أفكار ومشاعر الطرف الآخر، فلا سخرية ولا استهزاء مهما كان الكلام تافهاً أو غير منطقي من وجهة نظرك، بل يتم الرد عليه بأدب واحترام نابع من احترام القائل نفسه، حتى لا يتحول النقاش إلى مسألة إهانة شخصية ويخرج عن سياقه.





























