الدروس والندوات الرمضانية ساهمت في رفع الوعي وحاربت التشدُّد
الانتصارات الإسلامية صنعت ذاكرة الشعوب.. والمناسبات الدينية رسّخت الهُوية وعمّقت الانتماء
المؤرّخون وثّقوا أثر الشهر الفضيل في بناء التلاحم والتكافل عبر العصور
حوار: فتحي الدويدي
شكَّل شهر رمضان علامة بارزة في تاريخ الأمّة الإسلامية، ليس فقط باعتباره شهرًا للعبادة والروحانية، بل كعامل تاريخي واجتماعي وثقافي أسهم في صياغة الوعي للمسلمين عبر العصور، فمنذ بدايات الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، مرورًا بالعصور الأموية والعباسية والعثمانية، وصولًا إلى العصر الحديث، ظلّ الشهر الفضيل حاضرًا في الانتصارات الكبرى، وفي بناء الهُوية الوطنية والقومية، وفي تعزيز التكافل الاجتماعي والتلاحم الشعبي.
في هذا الحوار، يقدّم د. أحمد عبدالدايم حسين، أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة، قراءة معمّقة لدور الشهر الفضيل في تشكيل مسار الأمّة الإسلامية عبر العصور، وكيف تحوّل إلى قوة اجتماعية وثقافية تتجاوز حدود العبادة الفردية.
*كيف يمكن أن نفهم رمضان كعامل تاريخي يتجاوز الطقوس الدينية ليصبح جزءًا من حياة المجتمع الإسلامي؟
**منذ بدايات الإسلام الأولى في عهد النبي وحتى أيامنا المعاصرة ظلّ شهر رمضان يمثّل حراكًا مهمًا يتعدّى الشعائر الدينية التعبُّدية الفردية فقط ليكون عاملًا مؤسِّسًا لحياة المسلمين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عبر مراحل التاريخ المختلفة، فمنذ تشكيل تكوين دولة الإسلام في المدينة وما تلاها، شكّل هذا الشهر منظومة متكاملة لتعزيز التكافل الاجتماعي عبر الزكاة والصدقات، بل ساهم في تشكيل هُوية ثقافية متميّزة عبر موائد الرحمن والاحتفالات، فضلًا عن أنه شهد محطات تاريخية حاسمة في انتصارات المسلمين عبر العصور المختلفة، مما جعله أداة فعّالة في تكوين الوعي بين المسلمين ومصدرًا مهمًا في صياغة علاقاتهم الاجتماعية.

محطّات تاريخية
*وما أبرز المحطات التاريخية التي ارتبطت بشهر رمضان، وكيف انعكست على الحياة ؟
**هناك العديد من المحطات التاريخية التي ارتبط بها شهر رمضان الكريم، فمنها ما يتعلق بالعبادات والعقائد وهي ثابتة، حيث نزل الوحي في رمضان مما أضاف للشهر قداسة خاصة لدى المسلمين، كذلك تم تشريع الأذان، ومنها ما يتعلّق بالانتصار والبطولة، فحدثت غزوة بدر وتحقّق فيها أولى انتصارات المسلمين في معركة فصلت بين الحق والباطل، وتوالت الانتصارات، فحدثت معارك فاصلة بين المسلمين وغيرهم كتبت نهاية إمبراطوريات وجيوش، فكان فتح الأندلس ومعركة حطّين وعين جالوت، وآخر ملمح من هذه الانتصارات كان انتصار أكتوبر ١٩٧٣ على الإسرائيليين، وقد ظل هذا الشهر فخرًا للمسلمين على مر العصور.
الهُوية الوطنية
*وكيف ساهمت المناسبات الدينية، ومنها رمضان، في تشكيل الهُوية الوطنية والقومية؟
** يأتي رمضان على رأس هذه المناسبات التي لعبت دورًا مهمًّا في تشكيل الوعي، حيث يمثّل مناسبة لها مكانة خاصة في حياة المجتمعات الإسلامية، وتظهر فيه كل ملامح البرّ والإحسان والتكافل، بما يساعد على ترسيخ الوطنية ومحبّة الناس لبعضهم البعض وتعميق الانتماء والولاء للوطن، وكذلك تقوية التلاحم المجتمعي وتعزيز التفاعل الإيجابي.
وتساهم المناسبات الدينية، وفي مقدّمتها شهر رمضان المبارك، في تشكيل الهُوية الوطنية والقومية عبر تعزيز الروابط الاجتماعية، فيعمل على ترسيخ القيم المشتركة من ناحية، وتجسيد التراث الثقافي والتقاليد الموروثة من ناحية أخرى، فيوحِّد شهر رمضان الكريم المجتمعات الإسلامية من خلال طقوس جماعية، ويربط الأفراد بهُويتهم الثقافية والدينية والقومية.
وحدة الأمّة
*كيف ساهم رمضان في إعادة تعريف الهُوية الوطنية في مصر؟
** ساهم شهر رمضان في تعزيز الوحدة الوطنية، فكان التكاتف والتعاضد هو الملْمح الرئيسي لها، والصلوات وقراءة القرآن في الزوايا والمساجد وتبادل الزيارات للاستماع للقرآن في القُرى والنجوع ملمحًا مهمًّا في تقوية الروابط الاجتماعية، وتلك الأبعاد الروحانية التي تنشأ عبر الشهر الكريم كان المصريون ينتظرونها كل عام فتقوّى علاقاتهم.
الوحدة الوجدانية
*في رؤيتكم كمؤرّخ متخصص في الشئون الإفريقية، كيف ساهم رمضان في بناء “وحدة وجدانية” بين الشعوب الإفريقية رغم اختلافاتها العرقية والثقافية؟
إذا تحدثنا عن إفريقيا فسنجد أن شهر رمضان قد ساهم في بناء وحدة بين الشعوب الإفريقية عبر توحيدهم في طقوس تعبُّدية مشتركة، مثل الصيام والإفطار والسحور، وتجاوز الحدود العِرقية واللغوية بفضل القيم الإسلامية المشتركة، كما عزّزت تقاليد رمضان في تقوية التضامن الاجتماعي، حيث كانت اللغة العربية لغة تعبُّدية، وبالتالي يزداد الإقبال عليها خلال هذا الشهر الكريم، فدمجت شعوبًا متنوعة تحت مظلّة روحية وثقافية واحدة.
طابع روحاني
*ما هي أوجه التشابه والاختلاف بين مظاهر رمضان في مصر ومظاهر الاحتفال به في دول أخرى، وما تكشفه عن التعدد الثقافي والديني؟
**هناك تشابه لمظاهر رمضان في مصر وبعض الدول الإفريقية في الطابع الروحاني والاجتماعي كالتزاور والاحتفال برؤية الهلال، لكنها تختلف في التقاليد الموروثة كالفوانيس والمدفع في مصر، مقابل المشاعل والطبول في إفريقيا، مما يعكس تمازجًا فريدًا بين العقيدة الإسلامية والتنوع الثقافي المحلّي.
خطاب التجديد
*وما أثر الشهر الكريم على خطاب الإصلاح الديني والفكري؟
** المتفحِّص لفعاليات شهر رمضان في مصر والمجتمعات الإسلامية سيجد فيها مجالًا مهمًّا لتلاقي الفكر الإسلامي وحفظ القرآن الكريم وتدارُس نصوصه وأحكامه.
وشهر رمضان يمثّل فضاءً مهمًّا في مجال تجديد الخطاب الديني، حيث يتحوّل من التركيز على أداء الطقوس والشعائر الدينية العلنية إلى مناقشة مقاصد الشريعة، وتعزيز القيم الإنسانية، ونقد التشدّد، من خلال محاولات تقديم تفسيرات جديدة للنصّ الديني تتوافق مع العقل والعِلم، مما يدعم مشروعات الإصلاح الفكري، كما أن الندوات والمؤتمرات التي تناقش النوازل الجديدة في شهر رمضان تمثّل بُعدًا معرفيًا مهمًّا في هذا المجال.
كتابة التاريخ
*وكيف انعكس الشهر الكريم على الكتابات التاريخية، وما دلالات ذلك على تطوّر الفكر الإسلامي؟
** تطوّرت الكتابة التاريخية عند المسلمين تطوّرًا كبيرًا بتأثرها بالقرآن الكريم وما فيه من قصص وإشارات ودلالات تاريخية ومعانٍ وصور تشرح التاريخ وتعبِّر عنه وتصف الأحداث، ومن ثمَّ فإن الكتابة التاريخية تطوّرت لتتّخذ أبعادًا أخرى وبمنهجية جديدة غير معروفة.
وكانت انتصارات المسلمين عبر الشهر الكريم مادة تاريخية مهمّة في كتابات المؤرّخين القُدامى والمُحدثين، بل وثَّق المؤرّخون غزوات النبي وفتوحاته مثل بدر وفتح مكة.
ويمكن توظيف رمضان كفرصة لإعادة قراءة التاريخ من منظور أخلاقي وروحي، فالتاريخ الأخلاقي والمثالي هو أحد أشكال الكتابة التاريخية التي تظهر دور الإيمان في صناعة الأحداث وتسييرها، وبالتالي يعتمد عليه كمدرسة للتدريب والتعليم والتعلّم وقوة العقيدة والتصدّي للمستعمِر ومجابهته بعزيمة وإصرار.
قيم رمضان
*ما الدروس التي يمكن أن نستخلصها من قراءة التاريخ في ضوء قيم الصيام؟
** نستخلص من قراءة التاريخ في ضوء قيم رمضان دروسًا جوهرية لبناء الشخصية والمجتمع، أبرزها درس الانتصار المقترن بحُسن الإعداد، وأن الصبر كما في معارك الفتوحات والحروب مع الأعداء هو مفتاح الفرج وتجاوز التحديات والقدرة على الاستجابات، وأن التضامن والتكافل الاجتماعي هو سرّ قوّة الأمّة وبقائها، وأن العدل هو أساس الحضارة الإسلامية وقوة الحكم وفخر المسلمين، وأنه يضمن الاستقرار والأمان، مما يعزّز الهُوية الإسلامية ويقدّم قدوات فاعلة ونماذج مشرّفة.
كما تكمن أهمية تاريخ المسلمين والعرب في رمضان في بناء الهُوية الوطنية والثقافية لدى أي فرد أو مجتمع، كما يمكننا من الحفاظ على تراثنا الإسلامي والمُضي قُدمًا نحو تطويره والاعتزاز بأصوله.





























