الأخلاق هي الثمرة الحقيقية التي تثبت نجاح الصيام
التراويح ليست مجرد ركعات.. بل محطة للتزوُّد الإيماني
رمضان جاء يعلِّمنا كيف نعيش.. لا ليعطلنا عن الحياة
إتقان الفرائض مقدّم على الاستكثار من النوافل
حوار – إسراء طلعت
فى شهر رمضان المبارك، تتّجه الأنظار إلى هذا الموسم الإيماني العظيم، ويطرح السؤال نفسه: كيف نعيش شهر رمضان كالعارفين بقيمته، لا المعتادين على قدومه كل عام.
ففي هذا الحوار، يفتح د. محمد عبدالدايم الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، يجيب عن فهم فلسفة الصيام بين الحكم الشرعي والمقصد الروحي، ويؤكد أن رمضان ليس مجرد موسم تعبدي عابر، بل هو محطة لإعادة ترتيب أولويات الحياة، وبناء الإنسان أخلاقيًا وروحيا، كما يتحدث عن تجربته الشخصية مع الشهر الكريم، وأهمية صلاة التراويح، وعمل السر، وفقه الإنفاق، ومدرسة الأولويات، وصولا إلى كيفية الحفاظ على ثمار الشهر بعد انقضائه، ويؤكد أن جوهر رمضان ليس في كثرة الأعمال بقدر ما هو في صدق الإقبال، وأن العبرة ليست بجوع الجسد، بل بتهذيب القلب وصناعة التقوى وإلى نص الحوار .
*في البداية كيف استقبلت شهر رمضان على المستوى الشخصي والإيماني؟
** أستقبل رمضان على المستوى الشخصي كأنه فرصة لإعادة ترتيب أوراق العمر محاولًا تقليل الالتزامات الجانبية لأتفرغ لما هو أهم، وأما على المستوى الإيماني فشهر رمضان هو شهر تدبُّر القرآن والقيام ومناجاة الله، وكذلك على مائدة الإفطار؛ أحرص جدًا على الجلوس مع الأسرة، نتبادل حديثًا طيبًا ونستشعر سويًّا بركة الصيام. هذه الجلسة البسيطة هي التي تجدّد المحبّة في البيت، وتجعلنا جميعا في حالة من السرور بهذه الليالي المباركة.
عبادة خاصة
*هل هناك عبادة أو عادة تحرصون عليها كل عام وتشعرون أنها تحدِث فارقا في علاقتكم بالله خلال هذا الشهر؟
** أكثر ما أحرص عليه ويصنع الفارق في روحي هو صلاة التراويح؛ فهي بالنسبة لي ليست مجرد ركعات، بل هي المحطة التي أتزوّد منها بزاد إيماني كبير هذه الصلاة هي التي تمنحني السكينة وتعيد شحن قلبي بالإيمان، وبدونها أشعر أن يومي ينقصه نوره.
التعريف الفقهي
*كيف يعرِّف الفقه الإسلامي الصيام بين الحكم الشرعي والمقصد الروحي؟
** الصيام في سياق الحكم الشرعي يعرف بأنه الإمساك عن الطعام والشراب والمفطرات من الفجر حتى الغروب بنيّة التقرّب لله، أما المقصد الروحي فهو «الثمرة» والغاية؛ فالصيام ليس تعذيباً للنفس بالجوع، بل هو تدريب لها على التقوى والترفّع عن الشهوات. المقصد هو أن يصوم القلب عن الكراهية، واللسان عن الغيبة، لتصل في النهاية إلى تزكية النفس.
فالفقه يُخبرك «كيف تصوم»، والمقصد يخبرك «لماذا تصوم»، والكمال أن يصح صيام بدنك وأن يصح صيام روحك.
الصائم الخاسر!
*ماذا يخسر الصائم إذا اقتصر صيامه على الامتناع عن الطعام والشراب؟
** يخسر الصائم الذي يكتفي بترك الطعام والشراب روح العبادة وثمرتها الحقيقية؛ فيتحوّل صيامه من رحلة إيمانية إلى مجرد عملية جوع وعطش.
المقصود– كما ذكرت- أن الصيام فرض ليكون «تهذيباً للنفس» لا تعذيباً للجسد، فإذا صام البطن وأفطر اللسان على الغيبة، أو أفطرت العين على ما لا يرضي الله، ضاع الأثر التربوي للصوم. هو بذلك يحقق براءة الذمة أمام الشرع، لكنه يحرم نفسه من تزكية القلب ونيل أجر «الصائمين حقًّا» الذين يخرجون من الشهر بشخصيات أفضل وأخلاق أسمى.
الأخطاء الشائعة
*من واقع خبراتكم الدعوية، ما أكثر الأخطاء الشائعة بين الصائمين، وقد تنقص أجر الصيام دون أن تبطله؟ وكيف يمكن تدارك هذه الأخطاء؟
** من خلال معايشتي للناس، أرى أن أكثر الأخطاء شيوعًا هي التي تتعلق «بأخلاق الصائم»؛ وأبرزها سرعة الانفعال والغضب بحجّة الجوع أو ضيق الوقت، وهذا يتناقض مع قول النبي ﷺ: «فلا يرفث ولا يصخب».
كذلك هناك خطأ يقع فيه الكثيرون وهو «الإسراف» في مائدتي الإفطار والسحور، مما يحوّل الشهر من «موسم طاعة» إلى «موسم استهلاك».
كيف نتدارك ذلك؟ الأمر بسيط ويبدأ من «الوعي»؛ أن نذكر أنفسنا دائمًا أن الصيام تمرين على الصبر والتحكم في النفس وليس رخصة للتوتّر والإساءة.
وتدارك هذه الأخطاء يكون بالصمت عند الغضب، وبجعل القرآن والذكر رفيقاً دائماً بدلاً من الانشغال بفضول الكلام، وبأن نجعل شعارنا في رمضان: قليلٌ يكفي خيرٌ من كثيرٍ يُلهي.
النموذج القدوة
*كيف يوازن المسلم في رمضان بين العمل والالتزامات الحياتية من جهة والعبادات من جهة أخرى؟ وهل هناك نموذج عملي يمكن للناس الاقتداء به؟
** الموازنة ببساطة تبدأ من فهم أن رمضان جاء ليعلّمنا كيف نعيش، لا ليعطّلنا عن العيش؛ فعملك وقضاء حوائج الناس وأنت صائم هي عبادات. فأعطِ لكل وقتٍ حقه.
والنموذج العملي الذي يجب أن نضعه أمام أعيننا هو النبي ﷺ؛ فقد كان في رمضان يجمع بين قمّة العبادة وقمّة العطاء الإنساني، كان أجود بالخير من الريح المرسَلة، يدارس القرآن ليلاً، ويقضي حوائج الناس نهارًا.
الحضور القرآنى
*للقرآن حضور خاص في رمضان فكيف ترون العلاقة المُثْلَى مع كتاب الله في هذا الشهر؟ وهل تفضّلون كثرة الختمات او التدرّج في التلاوة مع التدبّر ولماذا؟
** العلاقة مع القرآن في رمضان هي علاقة صحبة وتأمّل وتدبّر، وليست مجرد «قراءة عابرة»؛ فالمهم هو كيف يترك القرآن أثره فيك.
أما عن سؤالك حول كثرة الختمات أو التدبّر، فالحقيقة أنني أميل إلى الجمع بينهما بتوازن، ولا أحب أن يسابق الصائم الأيام لينهي الأجزاء دون وعي، وفي الوقت نفسه لا أريده أن يكتفي بصفحة واحدة طوال الشهر بحجّة التدبّر.
الخلاصة هي: أن تجعل لنفسك «ختمة تلاوة» تمر فيها على كتاب الله كله لتستشعر جوّ القرآن العام وعظمة كلامه، وتخصص في الوقت ذاته «آية واحدة» أو صفحة في اليوم مثلا تقف عندها طويلاً، تتأمّل معانيها، وتسأل نفسك: كيف أطبقها في حياتي اليوم؟
لماذا؟ لأن القرآن نزل ليعمل به الناس، فكثرة القراءة تمنحك «النور والبركة»، والتدبّر يمنحك «الهداية والتغيير»، والقلب يحتاج للاثنين معاً.
جوهر التراويح
*صلاة التراويح وقيام الليل من أبرز شعائر رمضان فكيف للمسلم أن يحافظ على الخشوع فيها؟
** صلاة التراويح وقيام الليل هما «روح ليالي رمضان»، والجمال فيهما ليس في كثرة الركعات بقدر ما هو في تلك المناجاة التي تجمعك بخالقك؛ ولكي يشعر المسلم بالخشوع فيهما، عليه أن يتعامل مع الصلاة كأنها «موعد خاص» للراحة من تعب الدنيا، لا مجرد تكليف يريد الفراغ منه.
والسر في الخشوع هو أن تترك الدنيا عند عتبة المسجد، فلا تدخل للصلاة وقلبك مشغول بما فاتك من أعمال أو بما ينتظرك من مشاغل، بل استمع لآيات الله وكأنّها تخاطب وجعك وتجبر خاطرك وتدلّك على الطريق. فإذا حضر القلب، هانت مشقّة الوقوف، وتحوّلت الصلاة من عادة نؤدّيها إلى نور نصطحبه معنا في بقية يومنا.
اجعل همّك سماع المعنى وكأن الله يخاطبك أنت بهذا الكلام، فمتى ما شعرت أن القرآن يلمس قلبك، سيهدأ جسدك وتجد الخشوع يأتي من تلقاء نفسه دون عناء.
«عمل السِّرِّ»
*وهل هناك وصية شخصية تنصحون بها من جرّبتم أثرها في أنفسكم؟
** لقد جرَّب الصالحون «عمل السِّرِّ» وهو من أسرار العارفين، ونحن نتعلم منهم، وهي تلك العبادة التي تُفعل في السر بحيث لا يعلم بها أحد من الخلق، لا زوجة ولا ولد ولا صديق، وكان السلف الصالح يحرصون عليها أشد الحرص، بل كانوا يتفنّنون في إخفاء طاعاتهم كما يتفنّن الناس في إخفاء عيوبهم فكانت فيها البركة وفيها ما يثبّت القلب.
ولعل أعظم صورها ما أُثِر عن زين العابدين علي بن الحسين؛ فقد كان يحمل جراب الخبز على ظهره ليلاً لفقراء المدينة، وظل يُعيل مئة بيتٍ «سرًّا» طوال حياته، ولم يُعرف خبره إلا بعد وفاته حين وُجد أثر حمل الأحمال على ظهره.
وينبغي لمن أراد رضا ربّه ألا تجعل يومك يفرغ من «خلوة» مع ربّك، ولو لعشر دقائق، تجدّد فيها نيّتك وتراجع فيها نفسك؛ فهذا الانقطاع عن الدنيا هو الذي يمنحك القوة للاستمرار فيها بوعي وبصيرة.
عمل الخير
*الصدقة والعمل الخيري يتصدّران مشهد رمضان، فكيف نُحسن فقه الإنفاق في هذا الشهر؟
** الصدقة في رمضان وغيره ليست إنقاصًا للمال، بل هي توسعة في الرزق النفسي قبل المادي، فمن أراد أن يحسن ذلك العمل: أن يخلص لله ثم يَعلم يقينًا أن في كل مرة ضاقت عليه نفسه، أو استغلق عليه أمر، وأسرع إلى الصدقة، فسوف يأتيه الفتح من الله ـ تعالى ـ من حيث لا يحتسب، والصدقة في رمضان لها «سرُّ» في تيسير العسير، وكأنك تتقرب إلى الله بإطعام خلقه، فيكافئك الله بطمأنينة قلبك.
مفتاح.. الفتح!
*وهل من موقف شخصي أو معنى إيماني لمس فضيلتكم وجعلكم تحرصون على الصدقة في رمضان؟
** المعنى الإيماني الذي لمسني بعمق هو أن الصدقة في رمضان ليست مجرد بذل للمال، بل هي «مفتاح للفتح الرباني»، لقد وجدتُ عبر تجربتي أنَّ التصدق في الخفاء كان يتبعه دائمًا تيسيرٌ في أعقد المسائل العلمية والإدارية التي كانت تواجهني؛ فكلما رفعتُ الكرب عن محتاج، فتح الله لي من أبواب الفهم والسكينة ما لم أكن أحتسب، وكأنَّ الصدقة هي التي تُطهر البصيرة وتُمهد طريق التوفيق.
فقه الأولويات
*رمضان مدرسة لفقه الأولويات، فكيف نقدّم الأهم على المهم في العبادة؟ ومتى يكون العمل القليل أرجح عند الله من العمل الكثير؟
** فقه الأولويات يبدأ بـ«إتقان الفرائض قبل الاستكثار من النوافل»؛ فمثلًا بر الوالدين، وإتقان العمل الوظيفي فريضة مقدّمة على نافلة الاعتكاف أو السهر للتراويح لمن يضيع عمله نهارًا، ويكون العمل القليل أرجى للقبول عند الله إذا كان «أدوم» وأكثر إخلاصًا ونفعًا متعديًا للغير؛ فلقمة يضعها المرء في فم جائع، أو كفالة يتيم، قد تسبق عند الله قيام ليالٍ طوال، فالعبرة بعمق الأثر لا بطول السجود.

ضمان القبول
*إلى أي مدى ترتبط أخلاق الصائم بقبول صيامه؟
** ترتبط أخلاق الصائم بقبول صيامه ارتباط الروح بالجسد؛ فالصيام في حقيقته «تمرين إرادة» وليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، فإذا صام البطن ولم يصم اللسان عن الغيبة، واليد عن الأذى، والقلب عن الجسد، كان الصيام جسدًا بلا روح، والقبول مرهون بتهذيب النفس؛ إذ يقول النبي: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بهِ، فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ»، فالأخلاق هي الثمرة الحقيقية التي تثبت نجاح الصيام.
النصيحة للجميع
*وما النصيحة العملية التي توجّهونها لمن يريد أن يعيش رمضان بوعي وحضور قلب؟
** النصيحة العملية تكمن في «تخلية القلب قبل تحليته» ابدأ رمضان بتوبة من الذنوب وخصومات الخلق، فأمراض القلوب يشغل القلب عن الخشوع.
أما الوعي يبدأ حين تدرك أن رمضان ليس «سباق أرقام» في ختمات القرآن فحسب، بل هو سباق أثر وتدبّر؛ لذا فينبغي أن يجعل لنفسه «خلوة العشر دقائق» يوميًّا قبل المغرب؛ تراجع فيها نيتك وتناجي ربك بصدق، فالقلب الحاضر في عملٍ قليل يغني عن بدنٍ مُنهك في عملٍ كثير بلا روح.
ثمار رمضان
*بعد انتهاء الشهر الكريم، كيف يحافظ المسلم على ثمار رمضان؟
** المسلم بعد رمضان كمن غرس شتلة ورواها شهرًا كاملًا؛ فليس من الحكمة أن يتركها تموت جفافًا في شوال، وإنما يكمن السر في «القليل المتصل»، لا نطالب الناس بالبقاء على نفس وتيرة رمضان، فهذا مستحيل بشرع الفطرة، وأيضًا لأن لكل زمان شرفه والله جعل رمضان خير الأزمان وأشرفها، ولكن نطالبهم بأثر رمضان في أخلاقهم، وبالمحافظة على حد أدنى من الوِرد القرآني وصلاة الليل.
استمرار العبادة
*وهل من عبادة أو سلوك تنصحون بالثبات عليه ليكون دليلا على قبول العمل؟
** يقول سلفنا الصالح: «من علامة قبول الحسنة، الحسنة بعدها»، فإذا وجدت نفسك بعد رمضان مقبلًا على الصلاة، ليِّنًا مع الخلق، باسطًا يدك بالخير، فأبشر فإنها أمارات القبول؛ فالثبات على خُلُق واحد اكتسبته في رمضان لعله يكون أفضل دليلٍ على أن شهرك لم يكن مجرد جوع وعطش.
رسالة من القلب
*في الختام، لو أردتم توجيه رسالة قصيرة من القلب للناس في رمضان، فماذا تقولون؟
** أقول: «يا أيها المؤمنون يا من عمّرتم المساجد، ويا من لانت قلوبكم وجلودكم لذكر الله، ويا أيها القانتون الذين خشعت قلوبكم ولهجت ألسنتكم بذكر الله جلّ وعلا، إن الله غني عن جوعكم وعطشكم، ولكنه ينظر إلى «تقوى القلوب»، ومن تقوى القلوب أن نجعل من رمضان فرصة لترميم ما انكسر في علاقاتنا الإنسانية، ولتصحيح مسار أرواحنا مع الله، وليكن عهدنا ألا نخرج من الشهر المبارك كما دخلنا؛ فالمحروم من أدرك رمضان ولم يغتسل بفيض مغفرته. فلنجعل بيوتنا في رمضان محاريب للسكينة، وألسنتنا منبعًا لكل خير.
العمل الدائم
*وما العمل البسيط الذي تنصحون بالمداومة عليه لأنه من تجربتكم يصنع فرقا حقيقيا في حياة المسلم؟
قال ﷺ: «خير الأعمال أدومها وإن قل»، فالورد القليل من الذكر المستدام أرجى للنفع من غيره الكثير المنقطع، والذي قد لا يقدر صاحبه على المداومة عليه، وأخص بالذكر «الاستغفار بالأسحار» أو الركعتين في جوف الليل، هذا العمل رغم بساطته، يصنع فرقًا هائلًا في السكينة النفسية وطمأنينة القلب قال تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»، فليس صعبًا أن يقطع المؤمن من وقت سحوره خمس دقائق فقط يخلو فيها بربك مستغفرًا، كفيلة بأن تجعل يومه كله مباركًا ومسدَّدًا.































