بقلم د.صبحي زُردق
عضو جمعية الاعجاز المتجدد
استشاري الأعصاب والطب النفسي

في وقت السكون، حين يهدأ العالم وتنام العيون، خُصصت صلاة التهجد لتكون ملاذًا روحيًا للمؤمنين، لكن العلم الحديث بدأ مؤخرًا في كشف أبعاد مذهلة لهذه العبادة، متجاوزًا الجانب الروحي ليدخل في عمق الفيزياء الحيوية وعلم النفس العصبي. فما الذي يحدث لأجسادنا وعقولنا حين نقوم من الليل؟
التهجد.. “النافلة” التي ترفع المقام: التهجد لغةً وشرعًا هو الصلاة النافلة التي تُؤدى ليلًا بعد نوم ولو لفترة قصيرة. وقد جاء الأمر بها في القرآن الكريم كبوابة للمقام المحمود: “وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا” (الإسراء: 79). وأكدت السنة النبوية أنها أفضل الصلاة بعد الفريضة، خاصة في الثلث الأخير من الليل، حيث يصفو الذهن ويتحقق الأنس بالله.
دور صلاة التهجد في “إدارة التوتر”: تشير أحدث المراجعات المنهجية للأبحاث العلمية إلى أن صلاة التهجد ليست مجرد طقس تعبدي، بل هي “نظام متكامل لإدارة الضغوط”. فبينما يسبب التوتر المزمن قلقًا واكتئابًا وضعفًا في جهاز المناعة، تعمل صلاة التهجد كآلية مضادة من خلال تأثيرها على الجهاز العصبي الصماوي:
* ضبط هرمون الكورتيزول: يُعرف الكورتيزول بـ “هرمون التوتر”. أداء التهجد يساعد في تنظيم مستويات هذا الهرمون، مما يقلل من ردود الفعل الجسدية العنيفة تجاه الضغوط( مثل تسارع ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم).
* هرمونات السعادة (الإندورفين): تحفز الصلاة والخشوع إفراز الإندورفين، وهي مسكنات طبيعية تمنح شعورًا بالراحة والبهجة، مما يجعلها شكلاً من أشكال “العلاج النفسي الروحي”.
* إكسير الشباب (الميلاتونين وهرمون النمو): تساهم هذه العبادة في زيادة إنتاج الميلاتونين الذي يحسن جودة النوم، وتحفيز هرمون النمو المسؤول عن تجديد الخلايا وصحة العضلات والأيض.
تنظيم الساعة البيولوجية والجهاز “الباراسمبثاوي”.
لا تقتصر الفوائد على الهرمونات، بل تمتد لتشمل تنظيم الساعة البيولوجية للجسم. الاستيقاظ المنظم لأداء الصلاة يعيد ضبط إيقاع الجسم اليومي.
كما أن الصلاة بتفانٍ وتركيز تُنشط الجهاز العصبي الباراسمبثاوي، وهو المسؤول عن حالة “الراحة والهضم”، مما ينقل الجسم من وضعية “القتال أو الهروب” (الناتجة عن التوتر) إلى حالة من السكينة العميقة.
حركات الصلاة.. رياضة للقلب والبدن: أثبتت الدراسات أن الحركات البدنية في التهجد من ركوع وسجود ليست مجرد وضعيات، بل هي تمرينات لتحسين الدورة الدموية وتعزيز صحة القلب. كما أن تلاوة القرآن بتدبر تؤدي إلى صفاء ذهني يقلل من حدة استجابة الدماغ للضغوط الخارجية.
الأثر النفسي والتربوي إلى جانب الفوائد العضوية، تبني صلاة التهجد شخصية صلبة:
* تعزيز الثقة بالنفس: القرب من الخالق يمنح شعورًا بالقوة في مواجهة تحديات الحياة.
* تربية الصبر: مقاومة النوم ومغالبة الهوى تعزز قوة الإرادة.
* الامتنان والشكر: التأمل في النعم أثناء الليل يزيد من الرضا النفسي والسعادة.
خلاصة القول
صلاة التهجد ليست عبادة روحية فحسب، بل شفاء الروح والبدن بلا دواء .بفضل تأثيرها على الكورتيزول والميلاتونين والإندورفين والجهاز العصبي اللاإرادي، تُساعد صلاة التهجد على تخفيف التوتر، وتحسين جودة النوم، وتحسين المزاج، وتعزيز الوظائف الإدراكية، وتعزيز الصحة البدنية بشكل عام. لذا، تُعدّ صلاة التهجد وسيلة فعّالة للحفاظ على الصحة العامة والعافية.





























