قارب شهر رمضان على إكمال عدّته، والعاقل من يزن صنائعه وما قدّمه في الأزمان الشريفة، والأوقات المباركة، فشهر رمضان زمان مبارك شريف يأتي ويعود، وعندما يأتي تخالط بركاته الأفئدة، وتنفذ أنواره إلى القلوب العامرة، وتتنوّر الأنفس والأرواح والأجساد وردود الأفعال والسلوكيات بأنواره وأسراره المودعة في أيامه ولحظاته، وما أن يقارب على الرحيل ترى ثمراته الطيبة ظاهرة على كل عاقل فَطِن حاز الشرف والبَرَكة، حتى إذا عاد شهر رمضان قابلا صادفه شريفا مباركًا فيزداد ترقيًّا وسموًّا.
فإن الصيام يترك في النفوس المؤمنة بالغ الأثر وأطيبه وذلك عندما يشعر الصائم بتغيير سلوكه إلى الأرقى والأحسن والأجمل، بسبب أنوار القرآن المتلو في لحظات الأُنس الجليلة بكلام الله، لحظات ابتعد بها عن المنغِّصات، وأسباب التوتر، ودواعي القلق، لحظات قليلات ولكنها كثيرة البركات، فالصائم في شهر مضان تتكرّر منه التلاوة والانغماس في أنوارها، يومًا بعد يوم حتى نهاية شهر رمضان، حتى يشعر بحلاوة ذلك؛ طمأنينة في نفسه، وراحة في قلبه، وسمو في روحه، وتجليات لأنوار الكلام الإلهي، والفيض الرباني، الذي يمسح القلب بالشفاء، وتتنزل الرحمة في حياة الصائم وتمتلئ بها الأرجاء ببركة قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]، فالصائم يتلو تلاوة ليست كأي وقت، وإنما تلاوة المناجي ربّه بالنجاة من الفتن والشهوات، وحصول الثواب الجزيل، وعتق الرقاب من النيران، وينتهي الشهر عليه بالمناجاة والدعاء بالنجاة، ويعود شهره مرة أخرى، فيتعلق المناجي مرة أخرى بالرحمة والمغفرة والعفو والعافية، تصحيحًا للمسار وعلاجا لما حمله العام من غفلته وهفوته، وربما صادفه شهر رمضان في عامه المقبل ولا تزال ثمرات رمضان السابق يانعة، وأنواره تتلألأ، فيزاد من البركة والمدد، وهذا الحال لا يصل إليه إلا خواص الخواص الذين صامت قلوبهم عن غير الربّ جلَّ وعزَّ، فلا يلتفتون إلا إليه، ولا يعكفون إلا على مرضاته، فأهل الحضْرة على الدوام صائمون، وفي صلاتهم دائمون.
إنها ثمرات أينعت في زمان شهر رمضان الشريف، وامتدت بركتها بعد رمضان فسَرَت في أيام عام الصائم فتجده على نمط من السلوك القويم، والأدب الجميل، يضرب به المثل في التربية والرُّقي، وتجده في الصبر والتحمّل مقدّما على غيره عند التنافس والتباري في النهوض بالحياة ونهضتها وصنع حضارتها، لأن الصيام ربَّاه على صنع الخير والجود به، وتجده في القُرب من الله وحبّ الطاعة متعلّقًا ومنشغلًا، لأنه ذاق حلاوة قول الله الرحيم: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] فالحب والقُرب قد دخلا مكامنه، وتنوّرت بهما دواخله، فظهرت على ظاهره، إن الفَطِن هو من يلتفت إلى هذه الثمرات ويدرِّب نفسه على عدم التخلّي عنها، والالتزام بها ليكون دوما الأرْقى والأنقى والأتقى.





























