لا تطلب المدد إلا إذا حصلت على النظرة ووجدت لها فى القلب حلاوة وفى النفس طمأنينة.
حياتنا مهما شاخت وعمرت ليست أطول من فيلم سينمائى قصير، مثير، ما إن ترى اللقطة الأولى حتى تجد نفسك بالقرب من اللقطة الأخيرة، فلا تهمل لياقتك الروحية قبل أن تفاجئك كلمة (النهاية) قبل أن تجد نفسك مسافراً مترهّلاً ثقيلاً بلا ثواب إلى خيمة الحساب، لا تفكر فى الخلود على طريقة متاحف الشمع، فلا خالد إلا الله، وكل الملوك والنجوم والأباطرة والحكام صاروا غباراً، وبقى أولياء الله، وأصفياء الله، وأهل الله، بقى الذين مشوا فى “طريق” الله .
والطريق كلمة مشتقة من فعل “طرق” طرق، يطرق، فهو طارق، ويطرق الباب معناه أن يصر ويلح، أما الطريقة فهى الدعوة إلى الله لإحياء السنة ونبذ البدعة بالحكمة والموعظة الحسنة، وكل طريقة لها شيخ، ومريد وأوراد، هذه هى مكوناتها .
والشيخ يجب أن يكون عالماً بكتاب الله وسنّة رسوله، والمريد لابد أن يكون راغباً فى اتّباع الشيخ ثم يعرض عليه الصحبة على أن يبصّره الشيخ بعواقب الأمر تاركاً له حرية القبول أو الرفض، ولو أصرَّ المريد على الصحبة وقبله الشيخ وجبت على المريد طاعة الشيخ كطاعة المصلّى للإمام، طاعة مطلقة، فهى طاعة من لا يعلم لمن يعلم، وهى فى حقيقتها طاعة لله، تحسن العبادات وتزينها وتضاعف أجرها وتزيد من فرص قبولها عند الله .
أما الأوراد ومفردها وِرد فهى كل قول أو فعل (من عادة وعبادة) يتكرر بانتظام، فلو شربت كل صباح فنجان قهوة فهذا ورد، ولو غسلت أسنانك قبل النوم كل ليلة فهذا ورد، لو قرأت الفاتحة بمجرد أن تفتح عينيك فهذا ورد، وعلى ذلك فصلاة الصبح ورد، والظهر والعصر والمغرب والعشاء أيضاً، وصوم رمضان كل عام ورد، ولو قمت بدعاء معين عقب ختم المصحف فهو ورد، كل قول أو فعل منتظم متكرر فى موعد ثابت هو ورد، فلماذا لا يستسيغ الناس الكلمة وهم يؤدونها؟ لماذا لا يستسيغون الاسم مع أنهم يقومون بالفعل؟!
والوِرْد بالنسبة للطريقة هو أدعية يرى الشيخ أنها لازمة للمريد يفوز بفوائدها لو كررها بانتظام مع مراعاة صحة ألفاظها وترتيبها ومواقيتها وأعدادها، وهى فى هذه الحالة تشبه الدواء الذى يعالج به الطبيب المريض، قرص واحد بعد العشاء مثلاً، وليس من حق المريض الاعتراض على الدواء أو الجرعة أو التوقيت، فالطاعة هنا لصالحه، وطاعة المريد لشيخه هى أيضاً لصالح المريد وليست لصالح الشيخ، طاعة المريد تحقق له الحصول على أكبر نفع، فالله يكافئه على أوراده وأذكاره، ويكافئ الشيخ لأنه دل المريد (وهو عبد من عباده) إلى الطريق، أو الطريقة .
لكن لو كان كل أمر في الدين لابد أن يعود إلى أصله إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلماذا تتشعب الطرق وتتعدد؟ إن مشايخ الطرق هم أهل النظرة استمدوها من الرسول الكريم، يقول سبحانه وتعالى: “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً”، “لا تعد عيناك عنهم”. هذه هي النظرة التي يأخذها المشايخ من النبي ليأخذها المريدون منهم، وبعد النظرة يكون المدد ، وللحديث بقية.
وكل مريد ليس له شيخ ولا يتبع طريقة لا يسمي مريداً، الطريقة منظومة بشيخها ومريديه والأوراد، وكل الطرق مستمدة من أصل واحد هو رسول الله صلي الله عليه وسلم، هو مدد الطرق كلها، فلماذا تشعبت الطرق؟!
لو أن مجرى نهر النيل ضحل فلا يمكن أن تشق منه ترع وقنوات ورياحات ومصارف، النهر الضحل لا يقدر على تغذية ذلك كله، لا يقدر على إمدادها بالمياه، كلما زادت غزارة النهر تشعبت الترع وزادت القنوات وسمنت الريّاحات، إن كثرة الفروع تدل على وفرة الأصل، وكثرة الأبواب تدل على سعة المكان، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وكذلك تشعب الطرق يدل على كثرة المدد الإلهى على المجرى المحمدى الذى يكفى بإذن الله جميع الطرق ولو تشعبت إلى مئات المئات .
لو كان المدد كبيراً فلا خوف “وكلهم من رسول الله ملتمس غَرفاً من البحر مباشرة أو رَشفاً من الدِيَم”. فلا ينكر عاقل أن الماء الذى فى النيل هو نفسه الماء الذى فى الترعة وهو نفسه الماء الذى فى الحنفية والصهريج .
وفى الطرق المتشعبة نسمع كلمة نظرة، ونسمع كلمة مدد، والنظرة تسبق المدد، فالنظرة تذوق، والمدد طمع فى مزيد من التذوق (نظرة يا أم هاشم)، (مدد يا سيدنا الحسين)، فهل يجوز لإنسان أن يطلب من إنسان ذلك حياً كان أو ميتاً؟!
إن استقر فى العقيدة أن الفعال هو الله فإن كل ما يجرى على اللسان يحمل على المجاز العقلى، الله ينظر إلى القلب قبل أن يسمع اللفظ، فبأى لغة يمكن أن ندعو الله، ليس شرطاً أن تكون لغة عربية، يمكن أن ندعوه باللاتينية والصينية والهندوسية، ولا يؤاخذ الله من دعاه لو أخطأ فى التشكيل أو الإعراب، ولو أجاز الله ذلك، يجوز له أن يتجاوز عن اللفظ غير المقبول وغير المنطقى، كيف يدعو الأخرس ربَّه وهو لا ينطق صواباً ولا خطأ؟!
ورد فى البخارى ومسلم: (إن رجلاً شردت عليه دابته وعليها زاده… فلما استيقظ وجدها ففرح بها وقال: “اللهم أنت عبدى وأنا ربك”. من شدة الفرحة قلب الآية، قال صلى الله عليه وسلم: “الله أشد فرحاً بتوبة أحدكم من ذلك الرجل الذى أذهبت الفرحة قُدرته على التحكّم فى اللغة”. والمعنى أن فرحة الله بتوبة عبد من عباده تفوق فرحة هذا الرجل الذى أخطأ فى النطق، فالله يحاسب على ما فى القلوب .
ويقول سبحانه وتعالى: ” يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)” (سورة الحديد)، يوم القيامة يقول المنافقون للذين آمنوا انظرونا، أى نظرة، نظرة يقتبسون فيها من نورهم، لكن طلب النظرة تأخّر، فات موعده، لم يطلبوه فى الوقت المناسب (فى الدنيا) عندما ركبهم الغرور، وسخروا من الذين آمنوا، كما فى قوله سبحانه وتعالى: ” إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33)” (سورة المطففين)، هذه هى النظرة، سلعة عرفنا أهميتها باحتياج المنافقين إليها يوم القيامة، وهو يوم جزاء بلا عمل، فمن أراد شيئاً ينفعه فى الآخرة فليأخذه من الدنيا، تماماً مثل المعطف الذى نتذكره فى الدفء ونحمله معنا لنواجه به البرد، فماذا يحدث لو توجّه مؤمن أو مسلم إلى الأولياء وقال لهم: انظرونا نقتبس من نوركم فى الدنيا. فى الوقت المناسب. قبل “يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه”. إن من طلب النظرة قد اتقى وأعد العدّة لذلك اليوم العصيب، من طلبها يجد أثرها، نور يشعر به القلب، فإذا وجد القلب للنور حلاوة من أثر النظرة فإنه يطلب المزيد، يطلب نظرة بعد أخرى، وهذا هو المدد فيتغير الحال من فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه إلى قوله تعالى: “الأخِلاَّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين”.
لذلك يجب أن نصحّح للناس الذين يقولون: مدد. نقول لهم: لا تطلبوا المدد إلا إذا حصلتم على النظرة ووجدتم لها فى القلب حلاوة وفى النفس طمأنينة وفى الغيب أملاً فى رحمة الله. عندئذ يحق أن نطلب المزيد والمزيد، أى المدد، لنكون من الذين يدعون ربهم خوفاً (هذه هى النظرة) طمعاً (هذا هو المدد) ومما رزقناهم ينفقون. ولا حول ولا قوة إلا بالله





























