المواسم والعبادات، لم يقرِّرها المولى عزَّ وجلَّ، على عباده المؤمنين لتكون تكاليف مؤقَّتة تنتهى الحِكمة أو الهدف منها بمجرد انقضاء مدَّتها أو آدائها، إنما لتكون “نُقطة” تحوُّل وتغيُّر في تعاملاتنا وسلوكياتنا بما يُصلح منهج حياتنا ويحقّق الخير والسعادة للجميع في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وهكذا هو جوهر الدين، وهدف كل رسالة سماوية، تهذيب النفس البشرية وتوجيهها بما يحقّق السُّمُو والارتقاء الأخلاقي للإنسان في تعاملاته مع بَني جِنسه أو جميع المخلوقات والكائنات الحيَّة بل حتى الجمادات.
وتتعاقب هذه المواسم والعبادات علينا للتذكير وتجديد الدعوة، فتأتى الصلاةُ بعد الصلاةِ، وهكذا الحجّ والصيام وغيرها من التكاليف الشَّرعية، ليكون الإنسان العاقل دائمًا وأبدًا في معيَّة خالِقه، ملتزمًا بالمنهج الذي ارتضاه الله لعباده. لا أن “ينْتَكِس”، أى يرجع من عبادته وكأنّ شيئًا لم يكن، وأحياناً يعود أكثر سوءًا ليعوِّض ما فاته! ويتَّبع هواه فيعيثُ في الأرض فسادًا وإفسادًا، بمجرد خروجه من هذه المواسم والعبادات! وكأنّها لم تؤثِّر فيه أو تُغيِّر منه للأفضل! وفي هذه الحالة نكون قد صِرنا عُبَّادًا لتلك المواسم لا مَنْ خَلَقها وأرادها لنا، وهو الخالق سبحانه وتعالى!
وبما أننا للتَّوِ مُنتهين من فريضة الصيام التى كتبها الله علينا، كما كتبها على الذين من قَبْلِنا “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة: 183)، فندعوه سبحانه وتعالى أن يتقبَّله منَّا، وحتى يتم هذا فلابد أن نُكمل التزامنا بالأمر الإلهي لنجنِي الثّمرة ونحقّق الهدف من الصيام وهو “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”؛ نتّقى الله في كل حياتِنا، أنفسِنا، أولادِنا، الناسِ، أعمالِنا، بلادِنا، وجميع المخلوقات من حولِنا، حتى نستحق شَرَف الانتساب إلى خالِقنا، فنكون عبادًا ربَّانيين لا موسِميين- حسب مواسم العبادات والطاعات- وأن نجعل هذه المواسم فُرَصًا نجدّد ونشْحن بها حياتنا بمزيد من الإيمان والتقرُّب إلى الله تعالى.
فاللهم اجعلنا من عبادِك المؤمنين المخلِصين الطائعين لأوامرك، المُجتنبين نواهيك، المتَّبعين لشَرْعِك وهدِي نبيّك الكريم صلى الله عليه وآله ووالديه وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
وبهذه المناسبة، كَمْ أحلُم بعودة الأخلاق والمعاملة الحسنة فى كل تعاملاتنا اليومية التى غلبت عليها مظاهر العنف والقسوة- للأسف الشديد حتى بين أفراد الأُسْرة الواحدة، التى تربطهم أواصر الدّم والّلحم!- فأصبحنا نقرأ ونشاهد بل نعايش قصصًا أغرب من الخيال، بل لا يتخيّلها “إبليس” نفسه!
وهذا يبرز التساؤل المُلِحُّ: أين دور المؤسسات والهيئات والأجهزة المسئولة عن استعادة هذه القيم والأخلاقيات، ابتداء من الأُسْرة، المدرسة، الإعلام، الفن، الثقافة، الشباب والرياضة، المؤسسة الدينية بأكملها، إسلامية ومسيحية؟! يجب أن يتكاتف الجميع لأن الضَّرَر سيصيب الجميع بلا استثناء، وساعَتَئِذ لن يفيد النَّدم!
هيا بنا لنَبْنِي مجتمعنا على الأخلاق والمودَّة والرّحمة، وحينها سينصلح جميع حالِنا.





























