اعداد: فتحي الدويدي
تتعانق الأرواح مع آيات الذكر الحكيم، ويزداد شغف عشاق التلاوة التي تحمل في طيّاتها جمال الصوت وروحانية المعنى، وقد كان فنّ المقامات الصوتية أحد أهم أسرار تأثير التلاوة في النفوس، فلم يكن المقام مجرد نغَمة موسيقية، بل وسيلة لإيصال المعنى إلى القلب قبل الأُذن، وترجمة لمشاعر النص إلى لغة وجدانية يفهمها كل مستمع مهما اختلفت ثقافته.
وجمع القرَّاء المصريون أكثر من غيرهم بين العلم بالمقامات والقُدرة على توظيفها بما يتناسب مع المعنى القرآنين حتى أصبح لكل مقامٍ دوره الخاص. وفي هذه الحلقات، نأخذ قارئ “عقيدتي” في رحلة عبر أهم المقامات المستخدَمة في التلاوة، نستعرض أهميتها الروحية، ومميزاتها الفنية، ونقف عند أعلام القرّاء الذين أبدعوا فيها، لنكشف كيف يتحوّل الصوت البَشَري إلى جسْر يصل بين الأرض والسماء.
حين تُدير مفتاح المذياع أو جهاز التلفاز نحو إذاعة القرآن الكريم؛ فينطلق صوت القارئ متهاديًا عبر الأثير، حاملاً معه أنغامه التي تنساب كنسيم روحاني يملأ المكان بالسَّكِينة. المستمعون، في بيوتهم أو في سياراتهم، يجدون أنفسهم وقد اندمجوا في حالة وجدانية خاصة، حيث تتردّد الآيات في فضاء التلاوة ممزوجة بمقام النهاوند، فتتحوّل اللحظة إلى تجربة روحية متكاملة.
إن النهاوند لا يقتصر على كونه مقامًا موسيقيًا، بل هو لغة للطمأنينة، يربط بين النص القرآني والوجدان الإنساني، ويجعل الأثير ساحة للخشوع والتأمّل، تتكرّر كل صباح ومساء مع أصوات القرّاء الكبار الذين يصدحون من إذاعة القرآن الكريم.
يُعد النهاوند واحدًا من أهم المقامات الموسيقية التي دخلت عالم التلاوة القرآنية في مصر والعالم الإسلامي، وهو مقام ذو جذور فارسية ارتبط بمدينة نهاوند التي شهدت موقعة نهاوند تلك المعركة الفاصلة في التاريخ الإسلاميّ، حيث سحَقَ المسلمون بقيادةِ النعمان بن مقرن، الجيشَ الفارسيّ، مما أدّى إلى نهايةِ حُكمِ الإمبراطوريةِ الساسانيّةِ، هذا النصرُ الساحقُ مهَّد الطريقَ لانتشارِ الإسلام في بلاد فارس، وضمّها للدولةِ الإسلاميّة.
ومع بدايات القرن العشرين، بدأ القرّاء المصريون الكبار في توظيفه ضمن التلاوة القرآنية، حتى صار مألوفًا في الإذاعة المصرية وفي المجالس الدينية، وأصبح رمزًا للخشوع والوقار في الأداء القرآني.
ويتميّز هذا المقام ببنية موسيقية متوازنة، فهو يقوم على جنس “نهوند” على درجة الرَّاست وجنس كرد على درجة النوى، مما يمنحه مرونة كبيرة في الانتقال بين الطبقات الصوتية، وهذه البنية الفنية جعلت منه مقامًا غنيًا بالاحتمالات، حيث يستطيع القارئ أن يبدأ بصوت منخفض ثم يرتفع تدريجيًا، فيعكس بذلك تطوّر المعنى القرآني نفسه، حيث يُستخدم النهاوند لإبراز معاني الرحمة والقصص القرآني، ويتيح للقارئ أن ينساب في تلاوته بانسيابية وهدوء، ثم يعلو صوته ليُبرز قوّة النصّ وجلاله.
وقد برز في مصر عدد من القرّاء الذين جعلوا من النهاوند مدرسة قائمة بذاتها. فالشيخ محمد صديق المنشاوي، على سبيل المثال، كان يوظّفه في سور مثل الأعراف والحشْر، حيث أبدع في إظهار خشوع النص القرآني، وجعل المستمع يعيش حالة وجدانية عميقة.
أما الشيخ محمود خليل الحصري، فقد استخدم النهاوند في تلاواته التعليمية، ليبرز جمال المقام في سياق تعليمي وروحاني، مما ساعد على ترسيخه في أذهان المستمعين. والشيخ مصطفى إسماعيل، المعروف بقدرته الفائقة على التنقّل بين المقامات، وظّف النهاوند في سور مثل المائدة والقَصَص، حيث أظهر براعة فنية وروحانية في آنٍ واحد، وكذلك مشاري راشد العفاسي الذي يصفه دائما بأنه ملك المقامات التي لها القدرة على التعبير عن الحزن والشّجن ويُستخدم كمقام فرعي مع جميع المقامات.
ويبعث النهاوند على الطمأنينة والتأمّل، فهو يدخل المستمع في حالة وجدانية عميقة، حيث يفتح المجال للتأمّل في معاني النص القرآني. المستمع يشعر وكأنه ينتقّل مع القارئ في رحلة روحية تبدأ بالهدوء وتنتهي بالخشوع العميق، مما يجعله مقامًا مناسبًا للصلوات الجماعية والاحتفالات الدينية.
وهو ليس مجرد نغمة موسيقية، بل هو جسر بين النصّ القرآني والوجدان الإنساني، وقد جعل منه كبار القرّاء أداة روحية وفنية، فصار صوتهم يخلّد المقام ويمنحه بُعدًا دينيًا خالدًا.
يكشف لنا النهاوند كيف يخدم الفن الدين، وكيف تتحول التلاوة إلى تجربة شاملة تجمع بين التاريخ والفن والروحانية، وتؤكد أن المقام ليس مجرد إطار موسيقي، بل هو وسيلة للتعبير عن المعاني العميقة للقرآن الكريم.





























