أحمد شعبان
أرْسَت الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات المشتركة بين الزوجين، بما يضمن استقامة الحياة الأسرية، ويحقق السَّكينة والمودة والرحمة داخل البيت المسلم. ولم تترك هذه العلاقة الإنسانية الرفيعة دون ضوابط، بل وضعت لها أسسًا واضحة تقوم على الاحترام المتبادل، وحسن المعاشرة، والتعاون، وصيانة الكرامة؛ حتى ينعم الزوجان بحياة مستقرة وسعيدة في الدنيا، وينالا الأجر والثواب في الآخرة.
ومن أبرز هذه الحقوق المتبادَلة بين الزوجين حفظ أسرار الحياة الزوجية، ولا سيما ما يتصل بالعلاقة الخاصة بينهما، إذ نهى الإسلام عن إفشاء تلك الأسرار أو كشفها للآخرين، وعدَّ ذلك من قبيح الخصال وسوء الأمانة. وفي هذا المعنى، روى أبو سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن رسول الله قال: «إن من أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرَّها».
كما يُعد تبادل الحب والمودة بين الزوجين من أهم أسباب نجاح الحياة الزوجية واستقرارها، فالمحبة الصادقة تصنع أجواء الأُلفة وتمنح العلاقة قوة واستمرارًا. وقد كان النبي مثالًا راقيًا في إظهار مشاعره لزوجاته، وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها أحبَّ أزواجه إليه. ففي حديث عمرو بن العاص- رضي الله عنه- أنه سأل النبي: «أي الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها». ويعكس ذلك أهمية التعبير عن المحبة والمكانة داخل الحياة الزوجية، لما له من أثر بالغ في ترسيخ الاستقرار النفسي والعاطفي.
ومن الواجبات المشتركة أيضًا المشاركة الوجدانية في الأفراح والأحزان، لأن ذلك يعكس صدق المودة وعمق الارتباط بين الزوجين. وقد تجلّت هذه القيمة في وصية “أُمَامة بنت الحارث” لابنتها عند زفافها، حين دَعتها إلى مراعاة مشاعر زوجها، فقالت: «فلا تعصين له أمرًا، ولا تفشين له سرًّا… ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مهتمًّا، والكآبة بين يديه إن كان فرحًا»، وهي وصية تلخّص معنى التوافق الوجداني ومراعاة الحالة النفسية بين الزوجين.
ومن الحقوق المتبادلة كذلك أن يتزيّن كل من الزوجين للآخر، وإن كان الاهتمام بهذا الجانب يُذكر غالبًا في حق المرأة، فإن الرجل أيضًا مطالب بأن يتجمَّل لزوجته، لأن النفس البشرية مجبولة على محبة الحُسن والمظهر الطيب. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التوازن في العلاقة الزوجية بقوله تعالى: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [البقرة: 228].
ومن صور المودة كذلك الغيرة المعتدلة التي تعكس الحرص والمحبة وصيانة العلاقة من مواطن الرّيبة والانفلات، فهي حق مشترك بين الزوجين متى التزمت حدود الاعتدال والحكمة. وقد قال النبي: «إن الله يغار، والمؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرّم الله عليه»، بما يؤكد أن الغيرة المنضبطة من دلائل المحبة والحرص على صيانة الحرمات.
كما أن من أصول الحياة الزوجية في الإسلام المعاشرة بالمعروف، وتمكين كل من الزوجين للآخر من حقوقه المشروعة، والسعي إلى الإعفاف وصيانة النفس، وهو حق مشترك لا تتحقق ثماره إلا بالتفاهم والتراحم والتجاوب بين الطرفين. وفي هذا السياق يقول تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» [المؤمنون: 5-6].
ولم تغفل الشريعة كذلك الجوانب المالية والحقوق الشرعية المترتّبة على العلاقة الزوجية، فجعلت التوارث بين الزوجين حقًّا ثابتًا بعد الوفاة، قال تعالى: «وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ» [النساء: 12]. ويؤكد ذلك أن العلاقة الزوجية في الإسلام ليست مجرد رابطة عاطفية، بل ميثاق متكامل تترتب عليه حقوق إنسانية وشرعية ومالية.
وفي ختام هذه الحقوق المتبادلة، يبقى ستر العيوب، والتغاضي عن الزلات، والصبر عند الخطأ، من أهم ما يحفظ الحياة الزوجية من التصدّع والانهيار. فليس من شريك حياة يخلو من نقص، ولكن دوام العِشرة وحُسن المعاملة يقومان على التسامح، والرفق، وتقديم المودة على نزعات الغضب والانفعال. وهكذا تبقى المعاشرة بالمعروف هي القاعدة الكبرى التي تحفظ للأسرة تماسكها، وللزوجين كرامتهما، وللمجتمع استقراره.






























