ممدوح العشري
يحمل في صفاته الكثير من المتناقضات والصفات، العند والطاعة، الغباء والذكاء، الوفاء الذي لا نظير له، روابط اجتماعية قوية، اجتماعي، هاديء، يكد ويتحمّل، ويرمز للتواضع والبرّ والمرونة والقوة، والغريب أنه يتخذ قراراته باستقلالية، وأسوأ ما فيه نهيقه العالي المزعج، هذا هو الحمار.
والحمار ليس كما يتصوّره البعض رمزًا للبلادة والغباء، بل في حقيقته رمز للصبر والقوة والوفاء، تشعر بأنه مخلوق ودود ولطيف، لكنه مُدهش في قدراته وتحمّله، ووجوده لا غنى عنه في الريف مع الفلاحين، يتميز بالذكاء الهاديء، ويعتقد البعض أنه بليد وغبي، لكن الحقيقة أنه يتمتع بذكاء خاص، فعلي سبيل المثال لا يمكن أن يقدِم علي عمل يري فيه خطرا علي حياته ولو أجبرته عليه، أيضا له ذاكرة قوية جدا، فهو يتذكر الأماكن والأشخاص ولو بعد فترة طويلة من الزمن، أضف إلي ذلك تعرّفه علي صوت صاحبه ولو كان بين العديد من الأصوات .
و جمع الحمار، حمير وأحمرة، وتصغيره “حُمَير”، ومنه توبة بن الحمير، وكُنية الحمار أبو صابر، ويقال للحِمارة أم نافع وأم تولب وأم جحش وأم وهب، ومنه نوع ينفع لحمل الأحمال الثقيلة والماء والغذاء والمحاصيل .
ذُكر في خمس سور من القرآن الكريم، البقرة والنحل ولقمان والجمعة والمدّثّر، وفي سياقات مختلفة، فهو آية علي البعث بعد الموت، ومثال للبلادة، والصوت المزعج المنكر، والمخلوق المنفّر، وركوب وزينة.
ففي سورة البقرة آية 259 يقول تعالي: “وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ”، وهي قصة العزير، العبد الصالح الحكيم، حينما مر علي قرية خاوية علي عروشها، فتساءل: كيف يحيّي الله هذه القرية بعد موتها؟! فأماتَه الله مائة عام، ثم بعثه، وقال له: “فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير”، وهكذا كان الحمار وعِظامُه جزءاً من الدليل المادي الذي أثبت للعزير قدرة الله المطلقة على الإحياء والبعث بعد الموت، ليصبح ذلك آية للناس.
وفي سورة النحل آية 8 “وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً”، وهنا يعدِّد الله تعالي منافع الحيوانات، منها الركوب ومنها الزينة .
وجعله الله تعالي رمزا لقُبْح الصوت في الآية 19 من سورة لقمان فيقول تعالي: “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ”، وهو تشبيه يُضرَب لبيان قُبح الصوت العالي وغير اللائق، وكذلك تشبيه المتكلّم بصوت عالٍ ببعض أصوات الحمير التي يكثر السخرية منها، يقول سفيان الثوري عن ذكر صوت الحمار بهذا الوصف: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمير. وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله قال: “إذا سمعتم صياح الدِيَكَة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوَّذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا”.
- ” كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ” (سورة المدثر: 50-51) وفي هذه الآية الكريمة يشبِّه الله عزَّ وجلَّ الكفّار بالحمير الوحشية الهاربة من الأسد، للدلالة على شدة خوفهم وفزعهم، فشبّه الله الذين لا يستجيبون للذكر والموعظة بحُمر الوحش التي اشتدت في نفارها وهربها لشيء أفزعها، وهذا تشبيه فيه ذمّ وتقبيح لحالهم وقلّة عقلهم، حيث أن الحمير تفرّ بشدة من مفزع، وقوله “مستنفرة” يعني شديدة النفور والهروب، “قسورة” تعني الأسد أو الرماة الذين يرمون الصيد، فالآية تشبّه المعارضين بالحمير التي تفر من الأسد أو الصياد، يصوّر المولى عزَّ وجلَّ المشركين وهم فارّون من القرآن ومن دعوة الحق بالحمير الوحشية النافرة والأسد وراءها، والحمير تجري فرارا بحياتها، أي أن المشركين يهربون من الجنّة إلى النار، ومشهد حُمُر الوحش وهي مستنفِرة تفر في كل اتجاه، حين تسمع زئير الأسد وتخشاه، في مشهد يعرفه العرب، وهو مشهد عنيف الحركة وحين يشبّه به الآدميون حين يخافون، فكيف إذا كانوا ينفرون هذا النفار الذي يتحولون به من آدميين إلى حُمر، لا لأنهم خائفون مهدَّدون، بل لأن مذكِّرا يذكّرهم بربّهم وبمصيرهم، ويمد لهم الفرصة ليتقوا ذلك الموقف المزري المهين، وذلك المصير العصيب الأليم!
- وفي سورة الجمعة آية 5 يقول تعالي: “مثل الذين حمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا”، وهنا يشبّه الله تعالي اليهود الذين كُلِّفوا بالعمل بالتوراة لكنهم لم يعملوا بها، كالحمار الذي يحمل الكتب الثمينة ولا ينتفع بما فيها من علم .
- وهكذا استخدم القرآن هذا الحيوان في مواضع مختلفة، تارة للذمّ والتقبيح (بصوته القبيح)، ولبيان النفع من خلال ركوبها، ولضرب المثل بالعلم الناقص، وأخيراً كجزء من معجزة إلهية عظيمة.





























