تعانى شعوبنا فى الشرق الاوسط في عالمٍ تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه المصالح، حيث برز مصطلح “الفوضى الخلّاقة” على لسان (كوندليزا رايز)بوصفه أحد أكثر المفاهيم إثارةً للجدل والغموض في الفكر السياسي المعاصر. هذا المفهوم، الذي يبدو في ظاهره تناقضًا لفظيًا، يجمع بين الفوضى بوصفها حالة اضطراب وانفلات، والخلق بوصفه ميلادًا لنظام جديد وبين المتناقضين تعيش المنطقة فى متاهة مع غياب العدل وانتشار الظلم. فكيف يمكن للفوضى أن تكون أداةً للبناء؟ وكيف تتحول المتاهة إلى طريق؟
فإن الفوضى الخلّاقة ليست مجرد انهيار عشوائي، بل هي عملية مقصودة لإعادة تشكيل الواقع على الارض . إنها أشبه بهدم بناءٍ ، تمهيدًا لإقامة بناء ترسمه القوى الكبرى فى العالم وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل، فالهدم ليس بريئًا أو محايدًا، بل موجّهًا ومخططًا له، تُستخدم فيه أدوات سياسية واقتصادية وإعلامية لإحداث خلخلة في البنى القائمة، سواء كانت دولًا أو مجتمعات أو منظومات فكرية.
في هذه المتاهة، تتداخل الخيوط؛ فلا يُعرف أين تبدأ الفوضى وأين ينتهي القصد منها. وذلك تبإثارة النزاعات، وتُأجَّج الصراعات، لتُعاد صياغة التحالفات، حتى يصبح المشهد كلوحةٍ سريالية تتكسر فيها الخطوط المستقيمة. وفي خضم هذا الاضطراب، نطرح سؤال جوهري: من المستفيد من هذه الفوضى؟ تروج القوى الكبرى الاستعمارية فى نظامها الحديث أن الفوضى الخلّاقة قد تكون وسيلةً للتغييروالاصلاح بحجة عجز الأنظمة التقليدية عن الإصلاح من داخلها. ويستدلون على ذلك بأن التاريخ مليء بمحطاتٍ انهارت فيها كيانات قديمة لتُولد أخرى أكثر حيوية فى رأيهم . لكن هذا الطرح يغفل كلفة الفوضى، تلك الكلفة التي يدفعها الإنسان البسيط من أمنه واستقراره وحياته اليومية. فليست كل فوضى تفضي إلى نظامٍ أفضل، بل قد تنتهي إلى فوضى أشد ، والى ظلم بين أو إلى نظمٍ أكثر قسوة واستبدادًا.
إن أخطر ما في متاهة الفوضى الخلّاقة أنها تُفقد الإنسان بوصلته. حين تختلط الحقائق بالأوهام، وتتشابك المصالح بالشعارات، يصبح من العسير التمييز بين البناء الحقيقي والبناء الوهمي الذى تروج له تلك القوى الاستعمارية. وهنا يبرز دور الوعي؛ وعي الأفراد والمجتمعات بقدرتهم على قراءة ما وراء الأحداث، وعدم الانجرار وراء موجات الاضطراب دون إدراكٍ لعواقبها المؤكدة.
في النهاية، تبقى الفوضى الخلّاقة وسيلةً للهيمنة. والمتاهة التي تخلقها تلك الدول المسيطرة على مقدرات الشعوب الضعيفة ، ولا يمكن الخروج منها إلا بخيطٍ من الحكمة، والثبات ، وعدم الاندفاع وراء مشكلات مفتعلة، فمن الذكاء الربط بين إدراك الواقع والتمسك بالقيم، وبين السعي للتجديد والحفاظ على الاستقرار





























