بقلم د. إبراهيم رضوان
إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف المصرية
وباحث دكتوراه بجامعة الأزهر الشريف
لا ينظر الإسلام إلى الفن بوصفه خصمًا للقيم، ولا عدوًّا للدين، وإنما ينظر إليه بوصفه أداةً من أدوات التأثير والتعبير؛ فإن سلك طريق الحق كان نافعًا مباركًا، وإن انحرف عن جادة الشرع صار بابًا من أبواب الإفساد.
وقد قرر القرآن أصل الجمال والإحسان في هذا الكون فقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7]، وجاء في السنة قوله ﷺ: «إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ».
ومن هنا فإن مشروع “دولة الفنون والإبداع” يكون محمودًا إذا جعل الفن في خدمة الإنسان، وربط الإبداع بالمسؤولية، وجعل الجمال بابًا إلى الفضيلة. فالإسلام لا يحارب الفن من حيث هو فن، وإنما يهذّب مساره، ويضبط غايته، ويصونه من العبث والانحراف.
إن الدولة في التصوّر الإسلامي ليست معنية فقط بحفظ الأمن المادي، بل كذلك بحفظ الأمن القيمي والوجداني والثقافي؛ ولذلك فإن من واجبها أن ترعى الموهبة، وتفتح الطريق أمام الإبداع النظيف، وتُعلي من شأن الفن الذي يبني الوعي ويحفظ الهُوية.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]. فكل رعايةٍ للإبداع الذي يخدم الخير، ويقوّي الانتماء، ويواجه الانحلال، هي من التعاون على البرّ. ومن ثمّ فالدولة الرشيدة لا تترك الساحة الفنية للفوضى، ولا تخنقها بالجمود، وإنما ترعاها بعين الحكمة: تشجيعًا للمبدع، وحمايةً للمجتمع، وصيانةً للثوابت.
إن الفرق بين الفن الهادف والفن الهابط في ميزان الشريعة ليس مجرد الصورة أو الصنعة، وإنما المضمون، والرسالة، والأثر. فالفن الهادف هو الذي يوقظ الضمير، ويهذب الذوق، ويغرس خلقًا، أو يدفع إلى فضيلة، أو يعالج خللًا اجتماعيًا بلغة مؤثرة راقية.
أما الفن الهابط فهو الذي يزيّن الرذيلة، ويهوّن المعصية، ويكسر الحياء، ويسخر من القيم، ويُميت في النفوس معنى الطهر والوقار. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 19]. فكل فنٍّ يعين على المعروف ويصد عن المنكر فهو أقرب إلى القبول، وكل فنٍّ يشيع الفاحشة أو يهون أمرها فهو مردود بقدر ما فيه من فساد.
والإبداع في الإسلام ليس محظورًا، ولكنه منضبطٌ بالشرع، محكومٌ بالمقاصد، مسؤولٌ عن أثره. ومن أهم ضوابطه: ألا يصادم العقيدة، وألا يعتدي على الأخلاق، وألا يهدم الحياء، وألا يتخذ السُخرية من الدين أو شعائره سبيلًا إلى الشُّهرة أو التأثير، وأن يكون في مجمله داعيًا إلى الخير أو كافًّا عن الشر.
وقد أرشد النبي إلى أصلٍ جامع في باب التعبير فقال: «مَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليصمتْ».
ومن هنا يمكن أن يكون الفن وسيلة دعوية مؤثّرة؛ لأنه يخاطب القلب إلى جانب العقل، ويقرب المعاني إلى النفوس، ويجسد القيم في صورة حية. وقد صح عنه ﷺ قوله: «إنَّ مِنَ الشِّعرِ لَحِكمةً». فإذا حَمَل الفن معنى الهداية، وناصر الفضيلة، ودافع عن الحق، صار من وسائل الدعوة المعاصرة المشروعة.
وحين تعي الدولة والمجتمع أن الفن ليس مجرد ترف، بل رسالة تصوغ الوجدان، وتشكّل الذوق، وتؤثّر في السلوك؛ عندئذٍ يصبح الإبداع أداة من أدوات البناء الحضاري.
إن أمةً تعرف كيف توظّف الفن توظيفًا رشيدًا تستطيع أن تبني وعيًا يحترم القيم، ويحب الجمال، ويعتز بالدين، ويفهم الواقع فهمًا ناضجًا. وقد أبرز القرآن أثر القصة والبيان في التربية والإصلاح فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]. فإذا استُلهم هذا الأصل القرآني، أمكن للفن الهادف أن يكون جسرًا إلى الوعي، ومنبرًا للتربية، ولسانًا للقيم.
إن الطرح الشرعي المتّزن لا يجعل الفن خطرًا في ذاته، بل ينظر إلى توجيهه. فالكلمة قد تهدي وقد تضل، والصورة قد تبني وقد تهدم، والمشهد قد يوقظ الضمير وقد يميت الإحساس.
ولهذا فالأولى أن ننتقل من خطاب التحريم المجمل إلى خطاب التمييز الرشيد: نحتفي بما ينفع، ونقوّم ما ينحرف، ونفتح للمبدعين أبواب الخير، بدل أن نترك الساحة للرديء يملؤها وحده. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
ومن الحكمة في زماننا أن نستثمر الوسائل المؤثّرة في إيصال الحق، لا أن نفرط فيها حتى يحتكرها من لا يحملون رسالة ولا قيمة.
إن غاية الرسالات إصلاح الإنسان، وتمام ذلك بحُسن الخُلق؛ ولذلك كان الفن الشريف هو الذي يكون خادمًا للأخلاق، مؤيدًا لها، باعثًا عليها. وقد قال النبي: «إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق».
فإذا قدَّم الفن القدوة الصالحة، وعالج التفكّك الأُسري، ورسّخ معاني الرحمة والصدق والعفّة والوفاء، كان من أعظم الأدوات المساندة لرسالة الدين في بناء النفوس. والفن حين يخدم الأخلاق لا يفقد جماله، بل يزداد رفعة، لأن الجمال إذا اقترن بالحق صار أنفع أثرًا وأبقى ذكرًا.
إن الدراما ليست مجرد تسلية عابرة، بل هي من أعمق الوسائل أثرًا في تشكيل الوعي العام، لأنها تخاطب العين والأُذن والمشاعر معًا، وتدخل البيوت بلا استئذان. فإن كانت دراما هادفة، عرضت الصراع بين الحق والباطل بإنصاف، وقدّمت القدوة الصالحة، ولامست هموم الناس، وأيقظت فيهم معاني المسؤولية؛ كانت بابًا من أبواب الإصلاح.
والقرآن الكريم نفسه استعمل عرض النماذج والقصص لترسيخ العبرة، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3]. فإذا التزمت الدراما الصدق، وابتعدت عن الإثارة الرخيصة، وصارت خادمة للحق والوعي، أمكن أن تكون مدرسةً تربويةً راقيةً لا مجرد صناعة ترفيه.
والإسلام يقرّ حرية التعبير، لكنه لا يُطْلِقها بلا قيد؛ لأنها في ميزان الشرع حرية مسؤولة لا حرية منفلتة. فالمسلم مأمور أن يقول الحق، وينصح، ويبيّن، ويجهر بالخير، لكنه منهيٌّ عن الكذب، والفحش، والسّخرية من المقدّسات، وإشاعة الفساد. قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، وقال: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]. فالحرية في الإسلام ليست إلغاءً للمحاسبة، بل هي اقتران بين الحق والواجب؛ حقُّ التعبير، وواجبُ صيانة الدين والمجتمع والإنسان.
وهناك ثمّة حدود لا يجوز للفن أن يتجاوزها في ميزان الشريعة، لأنها تمثّل أساس بقاء الأمّة وسلامة هُويتها. فلا يجوز أن يكون الفن سبيلًا إلى الطعن في العقيدة، أو السّخرية من أحكام الدين، أو امتهان الرموز الدينية، أو تطبيع الفاحشة، أو تهوين الكبائر، أو تمجيد الانحراف. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
والفن في المنهج الأزهري الوسطي ليس بابًا مغلقًا، ولا ساحةً مباحةً بلا حدود، بل هو مجالٌ رحبٌ للجمال المنضبط، والتأثير المسؤول، والإبداع الهادف. فإذا أُحسن توجيهه صار نصيرًا للقيم، وخادمًا للأخلاق، وبانيًا للوعي، ووسيلةً من وسائل الدعوة الراقية. أما إذا تُرك للهوى، وانفصل عن الشرع، واشتغل بهدم الحياء وتشويه الوجدان، فإنه يفقد شرف الرسالة، ويتحول إلى عبء على الأمة لا رافعة لها.
ومن هنا فإن “دولة الفنون والإبداع” التي يباركها الشرع هي الدولة التي ترعى الموهبة، وتحمي الفضيلة، وتجمع بين الجمال والرسالة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الإبداع والانتماء.































