د. سعاد بلتاجي: كانت مرجعا علميا لكبار الصحابة
د. سمحاء عبدالمنعم: التمسّك بالهُوية الإسلامية دافع للتميز والابتكار
د. محمد سالم: قدمت نهضة حضارية فاقت كثيرا من الرجال
تحقيق: مروة غانم
كان ولا زال للمرأة المسلمة إسهامات جليلة فى بناء الحضارة ونهضة الأمم منذ فجر التاريخ وعبر العصور المختلفة, حيث برعت فى الفقه وتتلمذ على يديها الكثير من العلماء والفقهاء, وكان لبعض النساء مجالس علمية يحضرها الرجال ويأخذوا عنهن العلم, وبرزت فى مجال الطب والتمريض, وسطع نجمها فى سماء الفلك والهندسة حيث نجحت فى اختراع أجهزة فلكية عجز عن اختراعها الرجال, وكان ولا زال للمرأة المسلمة باع كبير فى مجال العلم ورعاية العلماء، فقد ساهمت إحدى النساء فى إنشاء كبرى الجامعات الإسلامية، وامتد نجاحها حتى وصل الاقتصاد والإدارة ومختلف مجالات العلم.
وفى السطور القادمة نذكر جانبا من إسهامات المرأة المسلمة فى العلوم المختلفة.
تسلِّط د. سعاد محمد بلتاجي- رئيس قسم الفقه المقارن بجامعة الأزهر- الضوء على إسهامات المرأة المسلمة فى علم الفقه منذ عصر النبوة, فلم يكن هذا العلم حكرا على الرجال, بل شاركت فيه المرأة مشاركة أصيلة, فحضرت مجالس العلم, روت السنن, سألت عن الأحكام, ناقشت ورجحت, حتى أصبحت بعض النساء مراجع علمية لكبار الصحابة والتابعين.
ونفت قصْر دور المرأة على النقل المجرّد, بل إن كثيرا من النساء كان لهن إسهام فعلي فى تكوين المادة الفقهية والاجتهاد وفى حفظ السُّنَّة.
لقد أثرت المرأة الفقه الإسلامي فى مساراته الأربعة الرئيسية بداية من رواية الحديث النبوي والذى يعتبر مادة الاستدلال الأولى بعد القرآن, وكذلك الفهم والاجتهاد من خلال تفسير النصوص وبيان الأحكام, وثالثها الإفتاء والتعليم. فكانت بعض النساء تعقد حلقات علم ويأخذ عنهن الرجال والنساء.
ورابعها: نقل الواقع العملي للحياة النبوية داخل البيت المسلم.
توضح د. سعاد، أن السيدة عائشة- رضى الله عنها- تعتبر من أبرز النساء اللاتى أثرين الفقه الاسلامي حتى وصفها العلماء بأنها من كبار فقهاء الصحابة, وقد تميزت بسعة الحفظ ودقة الفهم وقوة الاستنباط، فضلا عن معرفتها لمقاصد الشريعة وأحوال التشريع, كما كان لها دور فى تصحيح فهم بعض الصحابة لبعض القضايا والرد على ما تراه غير منسجم مع القرآن أو مع مجموع السنة, فضلا عن نقلها عددا كبيرا من الأحاديث النبوية التى تتعلق بالطهارة والغُسل والوتر وقيام الليل وأحكام الأسرة.
كما تميّزت أم سلَمة- رضى الله عنها- برجاحة العقل والرأى السديد، وهو ما جعل أثرها الفقهى ظاهرا فى المواقف التى تحتاج إلى فقه الواقع بجانب فقه النص.
أما حفصة- رضى الله عنها- فقد اشتهرت بحفظ الصحيفة التى جُمع فيها القرآن فى عهد أبي بكر، ثم صارت مرجعا عند نسخ المصاحف فى عهد عثمان, فأثرها الفقهى عظيم لأن القرآن هو أصل التشريع وصيانة نصّه من أعظم وسائل صيانة الأحكام واستنباطها، فضلا عن إسهامها فى حفظ جملة من السنة النبوية التى اعتمد عليها الفقهاء فى بناء بعض الأحكام.
مجلس فاطمة
أما د. سمحاء عبدالمنعم أبو العطا- رئيس قسم الفقه بكلية البنات الأزهرية بالعاشر من رمضان- فتؤكد أن الدور العلمي للمرأة المسلمة لم يكن محصورا فى عصر النبوة فقط بل استمر متّصلا عبر العصور المتعاقبة، حيث توارثت النساء العلم تعليما وتدريسا وأصبح لهن مجالس علمية يقصدها الطلاب مثل مجلس “فاطمة بنت محمد السمرقندى” التى كانت ترد زوجها الكاساني الفقيه الكبير فى بعض الفتاوى فيرجع إلى قولها, وكان يستشيرها الملك العادل نور الدين محمود فى بعض أمور الدولة الداخلية.
ولفتت إلى إسهامات المرأة المسلمة فى الطب والتمريض حيث برزت “رُفيدة بنت سعد الأسلمية” التى لم تكتف بعلاج الجرحى, بل أنشأت أول نموذج لمستشفى ميداني فى غزوة الخندق، وقامت على تدريب النساء على التمريض.
وفى سماء الفلك سطع اسم “مريم العجلية” بنت مدينة حلب والتى برعت فى صناعة الإسطرلاب ذلك الجهاز الفلكي الدقيق الذى استُخدم فى الملاحة وتحديد الاتجاهات والأوقات، وهو إنجاز يعكس تمكّن المسلمة من علم الرياضيات والهندسة ويكشف عن حضورها فى أدقّ العلوم التطبيقية.
وفى بغداد جمعت “ستيتة بنت الحسين المحاملي” بين الفقه والرياضيات, وكانت مرجعا فى علم الفرائض يرجع إليها القضاة لحل المسائل المعقّدة فى تقسيم التركات، وهو ما يكشف عمق إسهام المرأة المسلمة فى العلوم العقلية.
وتشير إلى دور بعض النساء المسلمات فى بناء المؤسسات العلمية حيث خلّد التاريخ “فاطمة الفِهرية” التى أنشأت جامع وجامعة القرويين فى فاس، ذلك الصرح العلمي الذى أصبح منارة للعلم فى العالم الإسلامي، وتخرّج فيه علماء فى الفقه والطب والفلك والفلسفة ليثبت أن إسهام المرأة لا يقتصر على التعلّم والتعليم بل يمتد ليشمل العلم وبناء مؤسّساته.
وفى مجال الإدارة والاقتصاد الدور الكبير للـ”الشفاء بنت عبدالله العدوية” والتى كانت من أوائل المتعلّمات فى مكّة حتى ولَّاها عم ربن الخطاب مسؤلية الحسبة فى المدينة, وهو منصب رقابي يتطلب معرفة دقيقة بفقه المعاملات ودراية بالاقتصاد, مما يعكس ثقة الدولة الاسلامية بكفاءة المرأة وقدرتها على إدارة الشأن العام.
توضح د. سمحاء، أن مسيرة عطاء المرأة لم تتوقف عند التاريخ القديم, ففى العصر الحديث برزت أسماء لامعة فى مجالات مختلفة مثل العالمة المصرية “سميرة موسي” التى تعتبر أول عالمة ذرَّة عربية سخَّرت أبحاثها النووية للأغراض السلمية والطبية, وكذلك “حياة سندي” التى قدّمت ابتكارات رائدة فى التشخيص الطبي والتكتولوجيا.
الهُوية الاسلامية
وتشدد د. سمحاء، على أن التمسُّك بالهُوية الإسلامية والتزام المرأة بدينها كان ولازال دافعا للتميز والابتكار، لا عائقا أمامه، كما يردّد البعض، موضحة أن تاريخنا الإسلامي يقدّم نموذجا متوازنا لنهضة علمية شارك فيها الرجل والمرأة معا، وأن هذا التاريخ ينادى بنات الأمّة أن يستلهمن من هذه السير طريقا للتميّز فى ميادين العلم الحديثة ليواصلن المسيرة ويثبتن أن المرأة المسلمة كانت ولا تزال قادرة على الإبداع, وأن نهضة الأمّة لا تكتمل إلا بمشاركة المرأة فى ميادين العلم والمعرفة.
أول معلِّمة
ويشيد د. محمد سالم- أستاذ مساعد التاريخ والحضارة الاسلامية- بما قدّمته المرأة المسلمة من تقدّم ونهضة حضارية فاقت العديد من الرجال فى مختلف مجالات العلوم الانسانية والاجتماعية والطبية, فقد برزت الشفاء بنت عبدالله العدوية والتى تعد أول معلّمة رسمية فى الاسلام وتعتبر نموذجا رائدا للمرأة المسلمة حيث برز دورها فى محو الأمية للعديد من نساء عصرها فقد أمرها النبي بتعليم “حفصة” الكتابة وامتد دورها لتعلّم نساء المسلمين, وكان عمر يثق فى رجاحة عقلها ويقدّمها فى الرأي ويستشيرها فى الأمور العامة والخاصة بالأسواق, كما أسند إليها نظام الحسبة وهى مراقبة الأسواق وضبطها, كما برعت فى مجال علاج الأمراض الجلدية وأقرّ النبي طريقتها فى العلاج وطلب منها تعليمها لغيرها من النساء وكان بيتها مركزا استشاريا زاره النبي والفاروق, كما تعد “خوند تتر الحجازية” ابنة السلطان محمد بن قلاوون” أعظم سلاطين دولة المماليك البحرية” وأخت لسبعة سلاطين تولّوا عرش مصر من أكثر النساء اللاتى ساهمن فى رعاية العلم حيث قامت بتأسيس “المدرسة الحجازية” التى تقع فى منطقة الجمالية, فكانت منارة علمية كبرى استقطبت للتدريس فيها كبار أئمة عصرها وجعلتها وقفا متخصصا لتدريس الفقه الشافعى والمالكي, مما أسهم فى الحفاظ على التنوع المذهبي والنشاط الفكرى فى تلك الحقبة, ولم تكتف تلك الأميرة بالتعليم العالي, بل أنشأت مكتبا لتعليم الأطفال الأيتام وسبيلا لسَقى المارة ووفّرت لهم الرواتب والمخصصات الغذائية لضمان حياة كريمة للمجاورين والطلاب وأوقفت عليها العديد من الأوقاف لضمان استمرارها, فتعد “خوند تتر” نموذجا للمرأة التى سخَّرت نفوذها وثروتها لخدمة العلم والبناء المجتمعي. وغيرها من الكثير من نساء المسلمات التى كان ولا زال لهن دور بارز فى بناء المجتمعات وتحقيق نهضتها.





























