تقرير: خلود حسن
“مصر ولادة”، جملة تردّدت على الألْسنة لعقود، لكنها اليوم تتحوّل إلى واقع ملموس ومؤسَّسي تحت رعاية القيادة السياسية، حيث وجَّه الرئيس عبدالفتاح السيسي، ببدء مرحلة جديدة من اكتشاف الذات المصرية عبر برنامج “دولة الفنون والإبداع”.
هذه الدعوة لا تستهدف فقط منصات التتويج، بل تسعى لاكتشاف الكنوز البشرية المدفونة في ربوع المحافظات، ومنح الملايين فرصة تاريخية للظهور، مؤكدة أن القوة الناعمة لمصر هي درعها الواقي وسلاحها الأقوى في معركة بناء الوعي وصناعة المستقبل.
هذه المبادرة ليست مجرد محتوى ترفيهي عابر، بل هي استراتيجية وطنية لـ”إزالة الغبار” عن ملايين المواهب المدفونة في قُرى ومدن مصر، وتحويلها إلى طاقة بنَّاءة تحمي الهُوية الوطنية من الأفكار الدخيلة.
وبين إشادة الخبراء الأكاديميين بقدرة هذه المنصات على الوصول للملايين، وتأكيد البرلمانيين على دورها في تمكين المرأة والشباب، تبدو مصر اليوم عازمة على استثمار “قوَّتها الناعمة” كأداة رئيسية لتحقيق رؤية 2030، معلنةً أن الإبداع هو الوقود الحقيقي للتنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، تؤكد د. ماجي الحلواني، العميد الأسبق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن هذه البرامج لا تقتصر فقط على تقديم محتوى ترفيهي، بل تمثل منصة حقيقية لإبراز المواهب التي ظلت لسنوات بعيدة عن الأضواء، مشيرة إلى أن مثل هذه المبادرات تسهم في “إزالة الغبار” عن الطاقات المدفونة، وتمنح أصحابها الفرصة للظهور أمام المجتمع، والانطلاق نحو آفاق أوسع من التأثير والإبداع.
تضيف: بعد النجاح الكبير الذي حققه برنامج «دولة التلاوة»، كان من المهم جدا تقديم برنامج لاكتشاف مواهب فنية في التمثيل والغناء وكافة المجالات. ولابد من الإشارة أيضا لمشروع «كابيتانو مصر» والذي قدّمته الدولة واكتشفت من خلاله مواهب رياضية. كل المواهب مهمة جدا فكنت أشاهد برنامج «شاركس» وهناك شباب صغير من الأطفال يقدمون أفكارا متميزة كان الكبار ينبهرون بها، فمثلا هناك أطفال في عمر 13- 14 سنة ويقدمون مشروعا لإنتاج ملابس.
تتابع د. ماجى: «مصر مليئة بالمواهب الشابة والأفكار الجديدة ونحن تعدادنا أكثر من 120 مليونا، فأكيد هناك مواهب كثيرة يمكن اكتشافها لكن تحتاج من يزيل الغبار عنها حتى تظهر».
إن كل موهبة في انتظار فرصة، وهذه البرامج تعمل على ظهور الكثير منها، بالتأكيد أن عددا كبيرا جدا سيقدم من المواهب لأنه (زي ما بنقول مصر لا تنضب من مواهبها الموجودة في كافة المجالات).
تضيف: البرامج المعروضة في التليفزيون تكون مشاهدتها أكبر لأن أي مسابقة داخل الوزارات أو المدارس أو المراكز تكون أمام عدد محدود، لكن على الشاشة يُكتشف أمام أعداد من الملايين وليس فقط مئات أو آلاف ومن داخل مصر أو خارجها، مما يجعل هناك فرصة كبيرة أن يكتشف رجال الفن والفكر الكثير من المواهب للاستفادة بها في المجتمع.
“صمام أمان”
ويؤكد مصطفى البنا، عضو مجلس النواب، أن حديث الرئيس عن تضحيات المرأة المصرية لم يكن مجرد تكريم بروتوكولي، بل هو إدراك واعٍ بأن المرأة هي “صمام أمان” الجبهة الداخلية، وتوجيهات القيادة السياسية بتعزيز برامج الحماية الاجتماعية ودعم المرأة المعيلة تتقاطع بشكل مباشر مع خطة الدولة لبناء الإنسان المصري، مؤكداً أن الاستثمار في تعليم وتأهيل المرأة هو الاستثمار الأضمن لتحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030.
يشير “البنا” إلى أن تزامن الاحتفالات بتمكين المرأة مع افتتاح مشروعات لوجستية وتكنولوجية كبرى، مثل “مونوريل شرق النيل” وقطاعات من “النهر الأخضر”، يبعث برسالة قوية للعالم مفادها أن مصر نجحت في مزج العدالة الاجتماعية بالنهضة العمرانية.
وقال: “إن ما نشهده اليوم من طفرة في البنية التحتية والذكاء الاصطناعي ليس رفاهية، بل هو البيئة الخصبة التي تسمح للمرأة والشباب بخوض غمار المنافسة الاقتصادية العالمية.”
وأشاد “البنا” برؤية الرئيس تجاه “قضية الوعي”، مشيراً إلى أن دعوة الرئيس لضبط البوصلة الثقافية عبر الدراما والفنون هي دعوة لحماية الهوية المصرية من الأفكار الدخيلة.
ويشدّد على أن الوصول لهذه المرحلة من الاستقرار، والحديث عن “دولة الفنون والإبداع”، بمثابة ثورة في قوة مصر الناعمة، حيث لم يكن ليتحقق لولا التضحيات الجسام في مواجهة الإرهاب.
أداة التأهيل
وتؤكد د. إيمان كريم، المشرف العام على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، أن المجلس يعمل على دمج الأشخاص ذوي الإعاقة، خاصة الأطفال بدور الرعاية والأيتام، من ذوي الإعاقة ضمن هذه المنظومة، باعتبار الفنون أحد أهم أدوات التأهيل والتمكين والدمج المجتمعي.
والمجلس يولي اهتماماً خاصاً بدمج أطفال دور الرعاية والأيتام من ذوي الإعاقة في الأنشطة الفنية والثقافية، من خلال برامج تستهدف تنمية قدراتهم الإبداعية، وبناء الثقة بالنفس، وتعزيز اندماجهم داخل المجتمع، مشيرة إلى أن الفنون تمثل وسيلة فعالة للتعبير والتواصل، وتسهم في إعادة تشكيل وعي هؤلاء الأطفال ودمجهم بشكل إيجابي ومستدام.
والمجلس يعمل على تنفيذ برامج متكاملة بالتعاون مع الجهات المعنية، لتأهيل هؤلاء الأطفال نفسياً واجتماعياً وفنياً، مع إتاحة منصات حقيقية لعرض مواهبهم، بما يضمن مشاركتهم الفاعلة في المشهد الثقافي والفني للدولة.
وفيما يتعلق باكتشاف المبدعين من ذوي الإعاقة، تشير د. إيمان كريم، إلى أن المجلس أطلق عدداً من المبادرات الوطنية الرائدة، من بينها “المذيع الصغير” “اكتشفني”، والتي تستهدف اكتشاف وصقل المواهب في مجالات الفنون والإعلام والثقافة، وتقديم برامج تدريبية متخصصة تواكب قدراتهم وتلبي احتياجاتهم.
كما أن المجلس يحرص على ضمان استمرارية رعاية الموهوبين من خلال توفير مسارات تدريب وتأهيل مستدامة، بالتعاون مع وزارة الثقافة والمؤسسات المعنية، إلى جانب المشاركة في فعاليات كبرى مثل ملتقى “أولادنا” الدولي، الذي يُعد منصة مهمة لعرض إبداعات الأشخاص ذوي الإعاقة وتبادل الخبرات على المستويين الإقليمي والدولي.
وتؤكد أن دعم الموهبة والإبداع لدى الأشخاص ذوي الإعاقة يمثل ركيزة أساسية في رؤية الدولة لبناء مجتمع شامل، لافتة إلى أن “دولة الفنون والإبداع” تمثل فرصة حقيقية لاكتشاف طاقات جديدة وتمكينها، وتحويلها إلى قصص نجاح ملهمة.
لذا فالمجلس مستمر في تطوير برامجه ومبادراته، بما يضمن دمج وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف مجالات الإبداع، تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية، وبما يعكس رؤية مصر نحو مجتمع عادل يحتضن جميع أبنائه دون تمييز.





























