المبادرات تُعد بعثاً للريادة المصرية في العالم بأسره
الفنون الجميلة تنمي الوعي وتؤكد صدق العقيدة
الفن الهادف يخدم الأخلاق وينشر القيم الإسلامية
مصر ولّادة.. والنقوش على جدران المعابد حضارة وفنون
المسلم قديماً كان يعرف قيمة الفنون وأنها مباحة شرعاً
حوار: أحمد شعبان
ثمّن د. أحمد محمود كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، ما وجّه به فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال لقاء المرأة المصرية والأم المثالية، الأربعاء الماضي، من دراسة إطلاق برنامج “دولة الفنون والإبداع” على غرار برنامج “دولة التلاوة”، مؤكداً أن هذه الدعوة الطيبة المباركة تؤكد بُعد وعمق النظرة الرئاسية للتراث المصري، وريادة الدولة في هذا المجال.
أكد د. كريمة، في حوار خاص لـ”عقيدتي”، أن “الإبداع والفنون” لهما أصل في التشريع الإسلامي، واصفاً مقترح الرئيس عبدالفتاح السيسي بإطلاق هذا البرنامج، بأنه مشروع قومي مصري أصيل لاكتشاف المواهب والكفاءات في مجالات الفنون والإبداع، على غرار برنامج “دولة التلاوة”، الذي أسهم في اكتشاف المواهب في التلاوة، مثمناً هذه الدعوة الطيبة المباركة التي تؤكد بُعد وعمق النظرة الرئاسية للتراث المصري، وريادة مصر في هذا المجال.
قال د. كريمة: إن هذه الفكرة القيمة تُعد بعثاً للريادة المصرية في العالم بأسره، بدءاً من “دولة التلاوة” وصولاً إلى “دولة الفنون والإبداع”، التي لها أصل تشريعي، مشيراً إلى ما ورد في سورة سبأ عن سيدنا سليمان بن داود -عليهما السلام- بأن الله سخر له الجن: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ).
أشار إلى أن التماثيل، بوصفها فناً من الفنون الجميلة، وكذلك الزخارف وما يتصل بهذه الأعمال، تُعد أموراً مشروعة، إلا أن بعض الناس التبست عليهم الأمور، فخلطوا بين الأصنام التي تُعبد من دون الله، وهي محرمة، وبين الترويح عن النفس المتمثل في الرسم والتصوير وتماثيل الفنون الجميلة.
أوضح أن برنامج “دولة الفنون والإبداع” سيبرز وينتج الكفاءات المنسية أو المهملة، حيث إن ظهور الفنان في أي فرع من فروع الفن قد يأتي قدراً أو يكون نتيجة اكتشاف على يد فنان كبير، في حين توجد كفاءات كثيرة مطمورة أو مدفونة أو مجهولة. ومع إطلاق مثل هذا البرنامج، سيتم تقديم عباقرة لإفادة البشرية من هذه الفنون، حيث ستظهر نماذج في الغناء المشروع، والموسيقى، والتماثيل، والفنون الجميلة وغيرها، بما يعزز الريادة المصرية التراثية القديمة والمعاصرة في آنٍ واحد.

ضوابط الإبداع
وحول ضوابط الإبداع في الإسلام، وكيف يمكن أن يكون الفن وسيلة دعوية، قال د. كريمة: “إن الإسلام دعا إلى إثراء هذه الفنون لصالح البشرية”، موضحاً أن الغناء كان موروثاً لدى العرب، حتى إن أهل المدينة من الأنصار -رضي الله عنهم- وغيرهم استقبلوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنشودة “طلع البدر علينا”. كما أشار إلى أن النبي والمسلمين أثناء بناء مسجد الرسول في المدينة كانوا يرتجزون بالأشعار، مثل: “لئن قعدنا والنبي يعملُ.. ذاك منا العمل المضللُ”.
وأضاف: أن العرب تأثروا كذلك بـ”حداء الإبل”، وهو عبارة عن أصوات وأناشيد شعرية كان يغني بها الرعاة لتنشيط الإبل على السير، مؤكداً أن إحياء هذه الموروثات الإنسانية يأتي من عمقها الإنساني، فمثلاً الألعاب الرياضية أصبحت صناعة، لكنها في الأصل وسيلة للترويح عن النفس، حيث يجتمع العالم بمختلف لغاته وجنسياته وقومياته على ممارسة كرة القدم، والغناء كذلك، مشيراً إلى دور الفنانة الراحلة السيدة أم كلثوم -رحمها الله- حين غنت في دول أوروبية دعماً للمجهود الحربي في مصر.
مصر ولّادة
وأكد د. كريمة أن مصر، عبر عمق التاريخ، ولّادة، مستشهداً بالنقوش على جدران المعابد، موضحاً أن هذا العمل هو الذي خلّد الحضارة المصرية القديمة، ولولا هذه النقوش وإبداع المصري القديم في نحت التماثيل والمسلات وتوثيق الحياة اليومية في الأزمنة الغابرة، لما وصلت هذه الحضارة إلى ما هي عليه اليوم من حضور وتأثير. وأضاف: كل ذلك خلّده الفن، سواء كان رسماً أو نحتاً، ولا يزال قائماً حتى الآن، والناس في غاية الانبهار به.
الفنون والوعي
وحول كيفية أن يصبح برنامج “دولة الفنون والإبداع” أداة لبناء الوعي في المجتمع الإسلامي المصري، أشار د. كريمة إلى أن مصر رائدة منذ ما قبل التاريخ، لافتاً إلى أنه لا يوجد على ظهر الكرة الأرضية ما يماثل أهرامات الجيزة، ولا المعابد الأثرية في العالم مثل تلك الموجودة في الأقصر، رغم أن ما تم اكتشافه لا يمثل سوى أقل من ربع الحقيقة.
وأوضح أن تطبيق هذا التوجه في مجالات الفنون من شأنه أن ينمّي الإبداع، وأن كل ذلك يخدم العقيدة الإسلامية، مستشهداً بما ورد في سورة الفجر من إشارات إلى حضارات قديمة، مثل قوم عاد وثمود، حيث يقول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ).
وأضاف د. كريمة أن هذه الإشارات تؤكد وجود حضارات عظيمة، وأن الاكتشافات الأثرية، مثل مدائن صالح، أسهمت في تعزيز فهم هذه الحقائق، بما يخدم العقيدة الإسلامية ويؤكد صدق القرآن الكريم. كما أشار إلى الفنون الإسلامية في الأندلس (إسبانيا)، وما تحمله من نقوش وزخارف وفنون جميلة، تدل على أن المسلم القديم كان يدرك قيمة الفنون ويعلم أنها مباحة بأصل الشرع.
ولفت إلى أن هذه الفنون لا تزال قائمة حتى الآن، كما أن الآثار الإسلامية القديمة في مناطق متعددة، مثل دمشق ولبنان ومصر، تعكس عظمة العمارة الإسلامية، بما تتضمنه من نقوش على الأبواب، ومنابر ومحاريب، مؤكداً أن هذه كلها تُعد من الفنون الجميلة.
وأشار د. كريمة إلى باب الجامع الأزهر الخشبي، الذي يتجاوز عمره ألف عام، باعتباره نموذجاً حياً لهذه الفنون، مؤكداً أن ذلك يسهم في تنمية الوعي، ويجعل الإنسان يعيش مع هذه الفنون ويتفاعل معها، مستشهداً بقوله تعالى: (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).

الفن الهادف
وحول أهمية الفن الهادف الذي يخدم الأخلاق وينشر القيم الإسلامية، وضرورة التمييز بينه وبين الفن الهابط، قال د. كريمة إن الإنسان بطبيعته وذوقه وإحساسه، وبما فطره الله عليه، يستطيع أن يفرق بداهة بين هذا وذاك، مؤكداً أنه لا يوجد في مختلف أنواع الفنون، من الغناء والرسم والتصوير والنحت وغيرها، ما يناقض الأخلاق ويُكتب له البقاء.
واختتم د. كريمة حديثه لـ”عقيدتي، موضحاً أن الفن الهادف هو الذي يبقى ويستمر، لأنه يعبر عن القيم الإنسانية الرفيعة، مشيراً إلى أن هذا الإرث أو التراث لا يقل عن مستوى الفنون العالمية، مثل “الأوبرا”، لما يضمه من نخبة من الكفاءات، التي تؤهل الجيل المعاصر والأجيال القادمة للحفاظ على المشترك الإنساني، وفي مقدمته الفنون والإبداع.





























