د. حسام محسب: “دولة إبداع” تحمي القيم وترعى المواهب في آن واحد
د. فتحية الحنفى: الفن وسيلة للتعرّف على الله وتنمية الوعي
د. نسرين فؤاد: المبادرات الرئاسية مكّنت المرأة اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً
تحقيق_ محمد لملوم
بينما تتّجه الدولة لإعادة طرح سؤال الفن بوصفه قوة ناعمة قادرة على تشكيل الوعي وترسيخ الهُوية، يبرز مفهوم “دولة الفنون والإبداع” كامتداد طبيعي لتجربة مصر الراسخة في “دولة التلاوة” التي صنعت عبر عقود مدرسة فريدة في جمال الصوت والانضباط الفني.
ومع دعوات الرئيس عبدالفتاح السيسي لتفعيل مشروع ثقافي يعيد للفنون مكانتها، يتجدّد الجدل حول حدود العلاقة بين الفن والدين: هل يمكن أن يجتمع الإبداع مع الضوابط؟ وهل يصبح الفن رسالة بناء لا مجرد ترفيه؟
هذا التحقيق يفتح الملف من زوايا متعدّدة، بين رؤية فنّيّة ترى أن أدوات التلاوة والإبداع تتقاطع في جوهرها، ورؤية فقهية تؤكد أن الأصل في الفنون الإباحة ما دامت منضبطة بالمقاصد والقيم، ورؤية اجتماعية تعتبر الفن مرآة للمجتمع وركيزة لتشكيل الهُوية ودعم التنمية.
وبين هذه الرؤى تتشكّل ملامح مشروع ثقافي جديد، يراهن على الذّوق العام، ويعيد للفن دوره كقوّة وعي وحضارة.
في قراءة فنية للمشهد، يرى د. حسام محسّب، مستشار رئيس أكاديمية الفنون، أن الانتقال من “دولة التلاوة” التي أقامت الجمال على أحكام التجويد والمقامات، إلى “دولة الإبداع” التي ترعى الفنون، ليس قفزة خارج السياق، بل هو امتداد طبيعي يجمع بين الروح والفن في مشروع واحد.
الجمال واحد
ويوضح أن التلاوة تقوم في جوهرها على جمال الصوت وإتقان الحرف وضبط الأداء، وهي ذات المهارات التي يدرسها بعض الطلاب داخل أكاديمية الفنون في تخصصات متعددة، معتبرًا أن المجال واحد من حيث الأدوات، وإن اختلفت زاوية التوظيف ومساحات التعبير.
ويؤكد د. محسب أن المطلوب اليوم هو إعادة تقديم الفن من منظور مختلف، بوصفه رسالة سامية ترسّخ القيم وتعالج قضايا المجتمع بموضوعات جادة، مستشهدًا بنماذج درامية تركت أثرًا ووعيًا مثل مسلسلات “رفاعة الطهطاوي” و”الأيام” و”إمام الدعاة”، حيث اجتمع الإبداع بالوعي، وحضر الفن كقوّة بناء لا كوسيلة ترفيه فقط.
ويرى أن دعم الدولة للمواهب يجب أن يكون قائمًا على معايير واضحة تراعي المضمون والرسالة، مع ضرورة تكامل الأدوار بين المؤسسات الدينية والثقافية لضبط المسار دون انفلات قيمي.
ويخلص د. محسّب، إلى أن هذا التكامل وحده هو القادر على إنتاج مشروع ثقافي يمتاز بالانضباط، وينمّي الذوق العام، ويضبط بوصلة القيم، بما يجعل الفن في إطار الإسلام أصيلًا في روحه، ومعاصرًا في إبداعه.
قيمة إنسانية
ومن خلال رؤية فقهية تؤكد د. فتحية الحنفي، أستاذ الفقه بكلية الدراسات العربية والإسلامية للبنات بجامعة الأزهر، أن ما يدعو إليه الرئيس السيسي من تفعيل دولة الفنون على غرار دولة التلاوة لا يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية، مشيرة إلى أن الفنون بما تحمله من جمال تُعد قيمة إنسانية ترتبط بالحق والخير.
وتوضح أن الجمال يربط بين الظاهر والباطن، ويعكس التقوى وحُسن التعامل والأخلاق، مؤكّدًة أنه طريق للتعرّف على الله، سواء في العبادات أو الحياة اليومية، مستشهدة بالآية: “يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد…”، وبالحديث الشريف: “إن الله جميل يحب الجمال”.
إباحة الفن
تضيف د. فتحية الحنفى: الجمال في الإسلام لا يقتصر على المتعة البصرية، بل هو أداة لتحريك العقل وتنمية الوعي، من خلال التأمّل في جمال الطبيعة والتعبير عنه باستخدام الفنون التي تبرز هذا الجمال، مشيرة إلى أن هذا لا يتعارض مع الشرع، لأن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نصٌّ صريح يمنعها.
وتستكمل: العلماء أجازوا استخدام الفنون بكافة أشكالها، لكن وفق ضوابط شرعية محدّدة، أبرزها أن تكون خالية من التحريم، وألا تُتخذ وسيلة للمفاسد أو للإسراف المحرّم.
وتلفت إلى أن الحضارة الإسلامية منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا شهدت إبداعات كبيرة في الفنون، حيث دمج العلماء بين الجمال والوظيفة، ومن أبرزهم إسماعيل الجزري المعروف بـ”أبو الروبوتات والآلات الميكانيكية”، وابن الهيثم مؤسّس علم البصريات والكاميرا، ونصير الدين الطوسي في الهندسة والفلك، إلى جانب فنون الزخرفة والخط العربي والهندسة المعمارية.
إسهامات العلماء
وتختم أستاذ الفقه، بالتأكيد أن العلماء قدّموا أيضًا إسهامات كبيرة في الفنون التطبيقية، مثل صناعة الخزف وزخرفة المخطوطات، مع التركيز على الهندسة والزخرفة النباتية والأرابيسك، بما ساهم بدور فعّال في بناء الحضارة الإسلامية، وذكرت أمثلة بارزة مثل: ابن الرومية، عباس بن فرناس، جابر بن حيّان، ابن النفيس، وابن البيكار وغيرهم.
وتشير إلى أن المؤسسات الدينية لعبت دورًا مهمًّا في توظيف الفنون الإسلامية لتزيين وزخرفة المساجد والعمارة، لافتة إلى أن فن العمارة يُدرَّس في جامعة الأزهر في كليات الهندسة وأقسام التاريخ الإسلامي، وهو ما يعكس اهتمام الإسلام بكل ما يعود بالنفع على البشرية جمعاء.
فهم الطبيعة
ومن منظور إجتماعى تؤكد د. نسرين فؤاد، أستاذ علم الاجتماع والرئيس السابق للقسم بجامعة الأزهر، أن الفنون على مر العصور ارتبطت بثقافات الشعوب، وساهمت في تحديد هويتها التاريخية والدينية والاجتماعية. موضحة أن الفن بمثابة مرآة للمجتمع تعكس أفكاره وتوجّهاته وتوضّح رؤيته المستقبلية، مستشهدة بأبرز الأمثلة على ذلك قيام المصريين القدماء بالنّحت والرسم على جدران المعابد.
وتشير إلى أن غالبية العلوم الإنسانية سُطِّرت بأقلام علماء ذوي مهارات فنية، قادرين على معايشة القضايا والظواهر الإنسانية والتعبير عنها بشكل دقيق، من مثل علم التاريخ، علم الاقتصاد، علم الاجتماع الذي اهتم بدراسة التأثير المتبادل بين الفن والمجتمع، فضلًا عن الأنثربولوجيا التي عنيت بالفنون التقليدية والشعبية واعتبرتها مدخلًا أساسياً لفهم طبيعة المجتمعات والتعرّف على ثقافتها.
تأثير إيجابى
تستطرد د. نسرين: ذلك ما أكّده العديد من العلماء المسلمين، مثل الفارابي الذي خصص جزءاً كبيراً من كتاباته للحديث عن الفن والجمال وتأثيره الإيجابي على النفس الإنسانية مادياً وروحياً، وابن خلدون الذي أبرز في مقدمته أهمية الفنون وجعلها ركنًا رئيسياً لا تكتمل حضارة المجتمعات وبنيتها إلا بها.
وتشدّد على أن الفن لا يتعارض مع الإسلام طالما أنه يندرج ضمن إطار الفن الهادف للتربية والتعليم ونقل التراث الثقافي، فضلًا عن الترفيه المشروع الذي لا يتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية المجتمعية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الخط العربي، تزيين المصاحف، زخرفة المساجد، الإنشاد والابتهالات الدينية، إضافة إلى الشعر والأدب، مؤكّدة أن كل ذلك له دور كبير في تهيئة البيئة الاجتماعية الملائمة للتنمية والإبداع.
مبادرات الرئيس
وتختتم بالإشارة إلى أن الفن ساهم كذلك في تغيير الصورة التقليدية للمرأة ودعم حضورها في الحياة الثقافية والتنموية، حيث عبّرت عن قضايا مجتمعها خير تعبير، لا سيما في ضوء المبادرات الرئاسية التي أوْلَت اهتماماً بالمرأة المصرية وأسهمت في تمكينها اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، فكانت خير معين لتحقيق الاستقرار والتطوّر المجتمعي.




























