بقلم د. هشام ربيع
أمين الفتوى بدار الإفتاء
طالما حملت مصر بفخر لقب “دولة التلاوة”، وهو لقب لم يأتِ من فراغ، بل نحتته حناجر ذهبية لأجيال من القرّاء الذين جعلوا من الصوت القرآني العذب أيقونة روحية عالمية. هذا الصوت لم يكن مجرد أداء، بل كان تجسيدًا حيًّا للجمال في أسمى صوره، حيث تلتقي قداسة النص بجمال الأداء، فتخشع القلوب وتطمئن النفوس.
واليوم، ومع بزوغ توجّه وطني جديد يهدف إلى بناء “دولة الإبداع” عبر دعم الفنون والمواهب الشابة، يطفو على السطح سؤال جوهري وعميق: هل نحن بصدد الانتقال من مشروع إلى آخر، أم أن هناك جسرًا يمكن أن يمتد بين “دولة التلاوة” و”دولة الإبداع”؟ وهل يمكن للجمال الروحي الذي عشناه مع القرآن أن يتعايش مع الجمال الفني في إطار إسلامي منضبط؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، يجب أن نعود إلى الأصل، فعلاقة الإسلام بالجمال ليست عابرة أو هامشية، بل هي أصيلة ومتجذرة، والحديث النبوي “إن الله جميل يحب الجمال” ليس مجرد عبارة بلاغية، بل هو قاعدة تأسيسية لفلسفة الجمال في الإسلام.
فالجمال هنا ليس تَرَفًا، بل هو قيمة إيمانية وسلوكية، فالله جميل في ذاته وصفاته وأفعاله، وقد بث هذا الجمال في كونه كله، ودعا الإنسان إلى أن يكون جميلًا في مظهره وسلوكه وفنه.
ومن هذا المنطلق، فإن الصوت الحسن الذي أمر النبي بتزيين القرآن به: “زيِّنوا القرآن بأصواتكم”، هو نفسه المادة الخام التي يقوم عليها فن الغناء والموسيقى.
والعلاقة بين جمال الصوت في التلاوة وجماله في الفن ليست علاقة تناقض، بل هي علاقة الأصل بالفرع، فالموهبة الصوتية التي وهبها الله للإنسان هي طاقة محايدة، يمكن أن تُستخدم في أسمى درجات القُرب (كتلاوة القرآن)، أو في التعبير عن مشاعر إنسانية راقية (كالفن الهادف)، أو في الإثارة والابتذال (كالفن الهابط)، فالمشكلة إذن ليست في “الفن” نفسه، بل في “مضمونه” و”غايته”.
والفصل الحاد بين “رجل الدِّين” و”رجل الفن” هو حالة حديثة نسبيًا، فتاريخنا الإسلامي يزخر بنماذج لعلماء وأئمة كانوا منارة في علوم الشريعة، وفي نفس الوقت أصحاب ذوق فني رفيع واهتمام بالجمال، مِن الفارابي الذي كان فيلسوفًا وعالمًا وموسيقيًا بارعًا، إلى ابن سينا الطبيب الفيلسوف الذي كتب في علم الموسيقى، مرورًا بالفقهاء الذين اهتموا بجماليات الخط العربي والشعر والبلاغة.
فهؤلاء الأعلام لم يروا تعارضًا بين الانضباط الشرعي والذوق الفني، بل رأوا أن الفن الراقي هو وسيلة لتهذيب النفس والارتقاء بالوجدان، وهو هدف لا يختلف كثيرًا عن أهداف التصوف والأخلاق.
وتَوجُّه الدولة اليوم لدعم المواهب الفنية هو خطوة إيجابية ومحمودة، تعكس وعيًا بأهمية القوة الناعمة وتأثير الفن في تشكيل وعي المجتمع ووجدانه، لكن نجاح هذا المشروع الوطني وتحوّله إلى رافعة حضارية حقيقية مرهون بوجود بوصلة قيمية وأخلاقية واضحة تضبط مساره.
فالفن كأي أداة قوية يمكن أن يكون معول بناء أو معول هدم، وهنا يقدّم المنظور الشرعي إطارًا مَرِنًا وحكيمًا للفن المباح، يقوم على ثلاثة شروط أساسية:
أولها: المضمون الهادف: أن يحمل العمل الفني رسالة إيجابية، أو يعبّر عن مشاعر إنسانية نبيلة، أو يناقش قضية مجتمعية بأسلوب راقٍ، بعيدًا عن تمجيد الرذيلة أو الدعوة إلى ما يخالف ثوابت الدين والأخلاق.
ثانيها: الشكل الخالي من الإثارة: أن يبتعد الأداء، سواء كان غنائيًا أو تمثيليًا، عن الإثارة الحسية المبتذلة التي تخاطب الغرائز الدنيا، وأن يركز على جمال الكلمة واللحن والأداء التعبيري الراقي.
ثالثها: ألَّا يلهي عن الواجب: فلا يصبح الانشغال بالفن سببًا في تضييع الواجبات الدينية الأساسية أو المسؤوليات الحياتية.
وفي ظل هذه الرؤية، يجب أن يتطوّر دور المؤسسات الدينية من دور “الرقيب” الذي يكتفي بالتحريم والمنع، إلى دور “المرشد” و”الشريك” في صناعة الوعي، فبدلًا مِن ترك الساحة فارغة للفن “غير الأخلاقي”، يمكن لهذه المؤسسات أن تساهم في:
وضع المعايير: المشاركة في صياغة مواثيق شرف إعلامية وفنية توازن بين حرية الإبداع والمسؤولية الأخلاقية.
تقديم البديل: دعم وتشجيع الفنانين الذين يقدمون فنًا نظيفًا وهادفًا، وإنتاج أعمال فنية راقية (أناشيد، مسرحيات، دراما) تعكس قيم المجتمع وهويته.
التوجيه المستمر: فتح حوار بناء مع الفنانين والمبدعين لتوضيح الضوابط الشرعية بروح التيسير والتفهم، لا بروح التشدد والتنفير.
والمخاوف من الانفلات القيمي في ظل الانفتاح الفني هي مخاوف مشروعة، خاصة في عصر السماوات المفتوحة، لكن الحل ليس في الانغلاق أو محاربة الفن، بل في تحصين المجتمع من خلال تقديم فن بديل وجذاب يستطيع أن ينافس ويملأ الفراغ، المعركة الحقيقية اليوم هي معركة “محتوى” و”قدوة”.
ولكي تنجح “دولة الإبداع” في مصر دون أن تفقد روحها وهُويتها التي شكّلتها “دولة التلاوة”، يجب أن ترفع شعارًا واضحًا: “القيم قبل الإبداع”، فهذا لا يعني قتل الإبداع، بل يعني توجيهه وترشيده، إنه يعني أنَّ الحرية الفنية تقف عند حدود المسؤولية الأخلاقية، فكما ارتقى صوت الشيخ محمد رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل بأرواحنا، يمكن للفن الهادف أن يرتقي بأذواقنا وأخلاقنا.
إنَّ الجمع بين الجمال الروحي والجمالي الفني ليس ممكنًا فحسب، بل هو ضرورة حضارية. إنه الطريق لبناء شخصية مصرية متوازنة، تعتز بتراثها الروحي، وتنطلق نحو مستقبل الإبداع بثقة وبصيرة.





























