حكايات الأمل والألم.. ورحلة الانتصار على السرطان
قامت بالزيارة: خلود حسن
الكلمات والرسائل التي وجَّهها الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال احتفالية المرأة المصرية، تمثل “وثيقة عهد جديدة” تعكس عمق إيمان الدولة المصرية بأن نهضة الوطن لا تكتمل إلا بتمكين حقيقي وشامل للمرأة، مشدداً على أن الدولة انتقلت من مرحلة “الدعم المعنوي” إلى مرحلة “التمكين المؤسَّسي والتشريعي” المستدام.
لذلك قمنا بسرد جوالات “عقيدتي” مع نماذج من الأمّهات والمرأة المصرية، فلم نذهب لمركز “حياة” لعزل مرضى زرع النخاع والأورام لمجرد التغطية، بل لنقل نبض أمّهات جعلن من “الصبر والرضا” شعاراً، ومن “اليقين في الله” دافعاً لمواجهة أشرس المعارك: معركة السرطان.
رصدت “عقيدتي” كفاح عدد من أمهات أطفال مرضى السرطان وزرع النخاع في رحلة علاج أبنائهن.
قضيت يوما لن يُنسى وسط وجوه عديدة لأمهات حملن مرض أبنائهن على أكتافهن، تركن بيوتهن في المحافظات المختلفة، وتشبَّعن بالرضا والتوكّل على الله أملًا في علاج أطفالهن.
في البداية تحدثنا مع د. مجدي شريف صالح- الرئيس التنفيذي لمركز حياة، وكيل وزارة، رئيس حي سابقا- فأوضح أنه تم افتتاح الدار تيسيرا على المرضى المحتاجين وخاصة الأطفال وذويهم الذين يتكبّدون عناء السفر من مختلف المحافظات لتلقّي العلاج بمستشفيات القاهرة.
والدار تقدّم خدماتها التي تشمل “إقامة فندقية من المبيت والطعام والتنقّلات من الدار لأماكن تلقّي العلاج” بالمجان للمريض والمرافق له، مشيرا إلى أنها تستقبل الإناث والرجال في أي عُمر، بمرافقة الأم أو الجدّة أو أي من ذويهم.
يضيف د. مجدي: وجود خدمات أخري مجانية من غسيل كلوي ومدرسة لتحفيظ القرآن ودار مسنين رجال ونساء ودار مغتربات وكفالة الأيتام وكفالة طلبة العلم وزواج الأيتام ومقابر صدقة وسيارة تكريم الإنسان وحضانة نموذجية.
صدمة وانهيار
وبمجرد دخولي وجدت “أم أيمان”، عانت كثيرًا منذ أن اكتشفت إصابة ابنتها بسرطان بالدم، وهي ابنة العام الواحد من عمرها، وقالت إنها أصيبت بالصدمة والانهيار عندما علمت بمرض ابنتها ولكن حاولت التماسك لرعايتها، ومن هنا بدأت رحلة الكفاح بين بقية أبناءها وقضاء احتياجات المنزل ومراعاة رحمة التي تحتاج إلى اهتمام من نوعًا خاص.
والدموع ملأت عينيها عندما قالت “أن ابنتها لم تستجب لجُرعات الكيماوي وأصرّ الدكاترة لتخفيف عدد الجرعات نتيجة عدم تحمّلها جُرعة الكيماوي لضعف عضلة القلب نتيجة الكيماوي وفي المرة التي تتدهور فيها حالتها تشعر أن الحياة ليس لها معنى”.
تابعت: “إيمان هي الشمعة اللي بتنور حياتي”، وعندما تطلب أي شيء لابد أن أوفّره لها حتى لو ليس في إمكانيتها، مضيفة: أنها تبدأ يومها بتجهيز أخواتها للمدرسة ثم تتفرّغ لرعايتها من تجهيز الأكلات المخصصة لها ومتابعة أوقات العلاج، بالإضافة لاهتمامها بالمذاكرة وتحفيظها بعض سور القرآن، لافتة إلى أوقات لعبها قائلة: “حتى وهي بتلعب عيني بتكون عليها لأني بخاف عليها من نسمة الهوا”.
وروَت أحد المواقف الصعبة التي مرت بها، ففي وقت متأخّر من الليل تدهورت حالتها وارتفعت حرارتها ولم تتمكّن من إسعافها، وما كان بيدها، إلا أنها جاءت من سوهاج بمفردها الساعة 2 صباحًا إلى مستشفى 57357 ولم تجد مكان لها بالمستشفى وذهبت بها إلى معهد ناصر، واختتمت أم يمان حديثها: “بتمني إيمان تخف وتكبر وأشوفها دكتورة”.
عيون يفيض منها الرضا
بعيون يفيض منها الرضا استكملت هبة توفيق “أم أحمد” مواقفها القاسية مع مرض ابنها وعُمره 15 عاما، في الصف الثاني الثانوي أزهري، ويعاني من فشل في النخاع من عُمر 20 يوما، وكان يأخذ كيماوي وصفائح دم ولم يأت بنتيجة وتدهورت حالته وقاموا بإجراء عملية زرع النخاع، واستضافوه بالمركز لرعايته داخل قسم العزل لمدة 3 شهور وتقديم له كل الرعاية والأكل اللازم لحالته، وعندما دخلت عليه الغرفة رفض التصوير حتي لا يعرفه زملاؤه بالمدرسة، فلديه عزَّة نَفْس وشخصية قوية ليست عند الكثير ممن فى عُمره، وكانه رجل متقدّم بالعُمر بسبب حجم المعاناة التي رآها في عمره الصغير!
وتقضي معه أمّه الليل ساهرة ولم تذق عيناها النوم في الدار بالقرب من المستشفى بعيدًا عن بيتها وعن ابنتها، واصفة مدى سعادتها عند خروجه من العملية “لما سمعت كلمة ماما منه كنت في منتهى الفرحة والسعادة”، وعن أمنيتها: “كل اللي بتمناه وحيد يخف، وربّنا يقف مع كل أم قاعدة بطفلها هنا، ويفضل الخير موجود على طول لأنه بيساعدنا ويحسسنا إننا مش لوحدنا في مواجهة المرض”.
الغرفة المغلقة
تصحبك قدماك للتجوّل فى أرجاء المركز، لتتيقن أن تلك الغرف المغلقة تخفى خلف أبوابها فيضًا من الأحلام ودعوات الأمّهات التى ترافق أطفالها في رحلة علاجها، وداخل إحدى الغرف امرأة تتعدى الـ50 عاما، جدَّة “مَلَك” لأمّها، جاءت بها لمستشفى معهد ناصر لأخذ جرعة العلاج، لافتة أنها تشارك ابنتها “أم ملك” في رحلة علاج حفيدتها، لأن أم ملك مطلَّقة وتسعى من أجل تربية أبنائها وتوفير العلاج، قائلة “أعزّ الولد وِلْد الولد”.
وهنا استكملت “ملك” الحديث، وبدأت تروي معاناة أمّها لتوفير العلاج لها حيث كانت تتردّد بها على الأطباء دائمًا وتأتي إلى المستشفى كل يوم وتتوسّل إليهم حتى يوفّروا مكانا لابنتها، وانهمر الدمع من عينيها، وقالت: “أنا بحبّك يا ماما ومتزعليش مني عشان تعبتك كتير”.
وبداخل أحد أهم الأماكن الشاهدة على صبر الأمهات في رحلة علاج أطفالهن تحدّثت أم سيف عن حكايتها، هي أم لثلاثة أطفال وزوجها يعمل خارج مصر وبالتالي هي المسئولة عن رعاية أبنائها وتقوم بدور الأب والأم معًا، وعندما علمت بمرض سيف تركت كل شيء وراء ظهرها وجاءت من المنصورة إلى القاهرة، لتعيش في دار مجاني بجانب المستشفى حتى يحصل على جرعات العلاج في صباح كل يوم.
وتؤكد أنها غير قادرة على رعاية بقية أبنائها لأنها كرَّست كل حياتها لرعاية سيف، لافتة إلى أنها لم ترَ طفليها الآخرين منذ شهرين فهما مقيمان الآن مع عمّهما بالمنصورة.




























