
بقلم د. مهاب عبد الحفيظ طه
أخصائي أمراض الكبد والجهاز الهضمى
عضو جمعية الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة
فى خضم التقدم العلمى الهائل الذى يشهده العالم فى هذه الأيام تكشف لنا المختبرات والأبحاث الطبية الحديثة اسرارا مدهشة عن جسم الإنسان حتى أصبح الجسد عالما قائما بذاته، يموج بالحياة الدقيقة والتنظيم البديع(صنع الله الذى أتقن كل شىء)
ومن أعجب ما اكتشفه العلم الحديث مايعرف ب (الميكروبيوتا المعوية) أو (البكتريا النافعة)
ذلك المجتمع المجهري الهائل من البكتريا والكائنات الدقيقة التى تعيش داخل أمعاءنا فى تناغم مدهش معنا وهنا تتجلى بوضوح دلالة قول الله تعالى(وفى أنفسكم أفلا تبصرون)(الذاريات:آية ٢١)
فحقا فى أنفسنا من الآيات ما يدعو إلى التأمل والخشوع.
ما هي الميكروبيوتا المعوية؟
يشير مصطلح الميكروبيوتا إلى مجموع الكائنات الدقيقة وعلى رأسها البكتريا النافعة التي تعيش فى جسم الإنسان خصوصا فى الجهاز الهضمى، وتشير الدراسات الحديثك إلى أن عدد هذه الكائنات يقدر بعشرات التريليونات أى ما يقارب عدد خلايا الجسم البشرى نفسه بل إن المادة الوراثية لهذه الكائنات (الميكروبيوم)تفوق المادة الوراثية البشرية اضعافا مضاعفة.
هذه الاكتشافات غيرت نظرة الطب إلى الإنسان فلم يعد ينظر إليه ككائن مستقل بل كنظام متكامل يعيش فيه الإنسان فى شراكة دقيقة مع مخلوقات لا ترى بالعين المجردة.
ما هي فوائد الميكروبى يعجز الإنسان عن تفكيكها وحده.
*إنتاج فيتامينات مهمة مثل vitK.
تنظيم امتصاص المعادن والعناصر الغذائية من خلال الحفاظ على سلامة الأمعاء.
*تدريب جهاز المناعة منذ الطفولة على التمييز بين العدو والصديق إذ تشير الأبحاث الحديثة إلى أن نحو ٧٠% من خلايا جهاز المناعة تتمركز فى الأمعاء وليس ذلك عبثا فالأمعاء هى خط الدفاع فى مواجهة ما يدخل الجسم من غذاء وجراثيم والميكروبيوتا تلعب دورا محوريا فى إنتاج الأجسام المضادة المناعية وتعزيز الحاجز المعوى ومنع تسرب السموم وتقليل الالتهابات المزمنة عبر تنظيم السيتوكينات الالتهابية وهذا التوازن والتكافل بين الإنسان والميكروبيوتا يسمى (symbiosis ).
وقد اظهرت الدراسات الحديثة ان اختلال توازن البكتيريا النافعه(Dysbiosis)يرتبط بزياده القابلية بأمراض مناعية مثل التهاب القولون التقرحى وداء كرونز وبعض أمراض المناعة الذاتية أليس فى ذلك ما يدعو للتأمل فى قول الله تعالي(وفى أنفسكم أفلا تبصرون ).
هل هناك ارتباط بين الخلل فى الميكروبيوتا ومرض القولون العصبي؟
من أعجب ما كشفه العلم الحديث ما يعرف بمحور”الأمعاء-الدماغ”
(Gut Brain axis)
فقد ثبت أن هناك تواصلا مباشرا بين الجهاز الهضمى والدماغ عبر العصب الحائروالمواد الكيميائية.
الميكروبيوتا تسهم فى إنتاج ٩٠% من السيروتونين(هرمون السعاده) داخل الأمعاء وتشير الأبحاث الحديثة أن اى اضطراب فى توازن البكتيريا المعوية قد يرتبط بالاكتئاب والقلق والتوتر وحدوث اعراض القولون العصبي المتمثلة فى(مغص-انتفاخ -امساك او اسهال) وهنا تتجلى صوره أعمق
لمعنى النفس فى القرآن الكريم فالجسد والنفس ليسا كيانين منفصلين بل وحدة متكاملة فما يحدث فى الأمعاء قد ينعكس على المزاج والسلوك وهذا يفتح آفاقا جديدة لفهم الصحة النفسية فى ضوء التكامل الجسدى الذى أودعه الله فى خلق الإنسان.
هل هناك علاقة مثبتة بين الخلل فى الميكروبيوتا وبين مرض السكري من النوع الثاني والسمنه ودهون الكبد ؟
نعم مراجعة علمية منشورة فى cell(2019)
اوضحت ان اختلال الميكروبيوتا يؤدي إلى مقاومة الانسولين ويترتب على ذلك دهون الكبد(MASLD)و مرض السكري من النوع الثاني والسمنه،وهناك بحث منشور فى
Journal of Heptology(2020)
أظهر ان الخلل فى الميكروبيوتا يؤدي إلى زيادة نفاذية الأمعاء وتسرب السموم البكتيرية إلى الكبد ونقص افراز هرمون (Glp1)ومقاومه لهرمون الشبع (leptin) فيؤدى ذلك إلى حدوث السمنة ودهون الكبد .
هل صيام رمضان يعزز من الميكروبيوتا؟
هناك دراسات حديثة تؤكد على أن الصيام المتقطع بصفة عامة وصيام رمضان بصفة خاصة يؤدى إلى تحسن الميكروبيوتا(symbiosis )
بشرط الاعتدال فى الاكل والشرب والاكثار من الأطعمة التى تزيد من تكاثر البكتيريا النافعة المتمثلة فى مأكولات البحر الأبيض المتوسط(مثل الشوفان والبقوليات والموز)
والاقلال من استخدام المضادات الحيوية بدون داعى وتقليل السكريات المصنعة وعدم السهر وتقليل التوتر.
حقا الميكروبيوتا المعوية آية حية تنطق بوجود الله فكلما تقدم العلم كلما اكتشفنا ان داخل الإنسان عالما لا يقل تعقيدا عن الكون الخارجى.
تريليونات الكائنات تعمل بتناغم مذهل
لحفظ المناعة وتنظيم المزاج والمحافظة على الوزن والكبد والقولون هذا ليس تفاعل كيميائي عشوائي بل نظام بالغ الدقة.
حقا ان الميكروبيوتا المعوية ليست فقط اكتشافا طبيا حديثا بل هى آية حية تنطق بوجود الله تدعونا إلى التفكر فى عظمة الخالق سبحانه وتعالى





























