الأستاذ بكلية الإعلام وتكنولوجيا الاتصال- جامعة السويس
وكيل الكلية لشئون الدراسات العليا والبحوث
في عصر التواصل الفوري الذي احتلت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مساحة كبيرة في اهتمام الرأي العام، أصبحت كلمة “ترند” جزءًا أساسيًا من قاموس حياتنا اليومية. صارت منصات التواصل الاجتماعي ساحة لا تنتهي من “الترندات” التي تفرض نفسها على المستخدمين، يكفي أن يشتعل هاشتاج أو فيديو على أحد منصات التواصل الاجتماعي حتى يتسابق الملايين للمشاركة فيه أو التعليق عليه، لكن خلف هذا السباق المحموم لمواكبة كل ما هو جديد، يكمن شعور غامض بالقلق “”ماذا لو فاتني شيء مهم؟”، أو ما يُعرف بـ”الفومو” (FOMO)، الذي يدفع الأفراد إلى الانغماس في كل ما هو جديد خوفًا من البقاء خارج دائرة الحدث.. في السطور التالية نلقي الضوء سريعًا على مفهوم “الترند” وتأثيراته النفسية والاجتماعية ووسائل مواجهته.
ما هو الترند وكيف يُصنع؟
الترند في البيئة الرقمية في تعريف مبسَّط هو موجة من التفاعل الواسع حول قضية أو محتوى محدد، تتضخم بفعل خوارزميات المنصات وتفاعل المستخدمين، فيصبح كلمة رئيسية شائعة “هاشتاج” على منصة أو أكثر من منصات التواصل الاجتماعي. وقد يكون الترند ترفيهيًا، مثل أغنية أو تحدٍّ راقص، أو سياسيًا واجتماعيًا، أو حتى أزمة طارئة. في كثير من الأحيان، لا يدرك المتابعون أن قوة الترند تكمن في “التأثير الجماعي” الذي يخلق شعورًا بأن الجميع يتحدث عن الموضوع، فيجعلنا نريد الانضمام حتى لا نشعر بالعزلة الرقمية.
ولم تعد الترندات مجرد مواضيع تُناقش، بل تحوّلت إلى أسلوب حياة تفرضه خوارزميات المنصات التي تصمم المحتوى ليبقينا “مدمنين” على التحديث. ولعل محاولة فهم العوامل التي تغذّي “هوس الترند” يمكن أن يُساعد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي على التعامل الواعي والناقد مع المحتوى الرقمي حتى لا يصبح الانخراط في الترندات إثباتًا للوجود الرقمي، لا تعبيرًا عن اهتمام حقيقي. من أبرز هذه العوامل:
– الدوبامين Dopamine والإشباع الفوري (البعد النفسي): يلعب نظام المكافأة في الدماغ دورًا محوريًا في انتشار هوس الترند، إذ يُحفّز الناقل العصبي “الدوبامين” مشاعر المتعة والرضا عند التفاعل مع المحتوى الجديد أو المشاركة في الترندات الشائعة. هذا الإشباع الفوري يُولد شعورًا بالفرح والتجدد، مما يدفع الأفراد إلى تكرار السلوك والبحث المستمر عن “الموجة” التالية. وتزداد هذه الحلقة قوة مع سهولة الوصول إلى المنصات الرقمية، وسرعة تداول المحتوى، وخوارزميات التوصية التي تُغذي الفضول وتُعزز الانغماس، لتتحول الظاهرة إلى دورة متواصلة من الإثارة قصيرة الأمد تدفع المستخدمين نحو المزيد من التفاعل والاندماج.
– الخوف من تفويت الفرصة “الفومو” (البعد الاجتماعي): يُعد البعد الاجتماعي من أبرز محركات انتشار هوس الترند، إذ يربط الأفراد بين المشاركة في الترند والشعور بالانتماء والقبول داخل دوائرهم الاجتماعية. وفي العصر الرقمي، يتضاعف هذا الشعور مع ما يُعرف بـ”الخوف من تفويت الفرصة” (FOMO)، حيث يدفع القلق من الاستبعاد أو التهميش الأفراد إلى مواكبة الترندات الناشئة قبل أن تخفت حتى إن لم تتفق مع قناعاتهم، فقط خوفًا من التهميش أو الشعور بأنهم خارج الدائرة. ويُعزِّز ذلك الاعتقاد بأن التفاعل مع الترند يمنح الفرد مكانة اجتماعية أو شعورًا بالتميز. ويتجلى الفومو في التحقق المستمر من الإشعارات، ومتابعة كل جديد، وحتى المشاركة في أنشطة أو نقاشات لمجرد أن “الكل” يفعل ذلك، وهنا يتحول الترند إلى أداة ضغط نفسي واجتماعي تُقوّض حرية الاختيار الواعي؛ حيث تصبح المشاركة في “الترند” معيارًا ضمنيًا للانتماء الاجتماعي، وهكذا، يتحول التفاعل مع الترند من متعة إلى واجب غير معلن، تغذيه خوارزميات المنصات التي تدفعنا للبقاء على اتصال دائم. وهنا يتضح لنا أن هوس الترند والفومو وجهان لعملة واحدة في عصر الإعلام الرقمي؛ الأول يخلق موجة، والثاني يدفعنا لركوبها دون تفكير. وبين الحالتين، يكمن التحدي في أن نكون حاضرين وواعين، نختار ما نتابع، ونتحكم في وقتنا ومشاعرنا، بدل أن تتحكم بنا الشاشات والخوارزميات.
– تأثير العربة (Bandwagon Effect) (البعد الاجتماعي/النفسي): يُعتبر “تأثير العربة” من أبرز الميكانيزمات النفسية التي تفسر سرعة انتشار الترندات، حيث يميل الأفراد إلى تقليد ما يفعله الآخرون والانضمام إلى “الموجة الرائجة” لمجرد شعورهم بأنها تحظى بشعبية واسعة. هذا التقليد الجمعي يُعزز الاعتقاد بأن ما هو شائع يعكس الصواب أو القيمة، فيندفع الأفراد إلى المشاركة دون تقييم واعٍ لمحتوى الترند أو تداعياته. وهكذا يتحول السلوك الجماعي إلى قوة دفع أساسية تكرّس الظاهرة وتُصعّب مقاومتها.
– الخوارزميات وتقنيات التضخيم (البعد التقني): تلعب خوارزميات المنصات الرقمية دورًا أساسيًا في صناعة الترند، فهي تُعطي الأولوية للمحتوى الأكثر إثارة للجدل أو تفاعلاً، بغض النظر عن قيمته أو خطورته. هذا التضخيم التقني يُخلق “وهم الشعبية” الذي يدفع المستخدمين إلى التفاعل مع الترند لمجرد ظهوره المتكرّر أمامهم، ما يزيد من سرعة انتشاره واتساع نطاقه.
الآثار المترتبة على هوس الترند
لم يعد الترند مجرد موجة رقمية عابرة، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية لها انعكاسات عميقة على الأفراد والمجتمعات. فاليوم، يكفي أن يُطلق وسم أو تحدٍ على منصات التواصل حتى ينخرط فيه الآلاف وربما الملايين، دون وعي كافٍ بما يحمله من مضامين أو رسائل. هذه الظاهرة التي يمكن تسميتها بـ”هوس الترند”، بدأت تثير تساؤلات خطيرة حول دورها في تهديد منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع.
هوس الترند والرغبة الجامحة في البقاء على تواصل مع كل ما هو جديد يتسبب في حدوث مشاكل نفسية واجتماعية وتعليمية؛ نفسيًا: تتمثل آثاره في ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب لدى أولئك الذين يشعرون بأنهم غير قادرين على مجاراة هذه الاتجاهات المتغيرة باستمرار، وكلما اتسعت الفجوة زاد الشعور باللقلق والإحباط، إلى جانب محاولات الكثيرين للظهور في أفضل حالاتهم، مما قد يؤدي إلى تقديم صورة غير واقعية عن حياتهم، وعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي هوس الترند إلى انتشار النقاشات السطحية، وغياب العمق في تناول القضايا، كما أن الهوس بالترند يؤدي إلى تفاقم المقارنة الاجتماعية، ويخلق تناقضات بين الذات المثالية والذات الحقيقية، ويعزز ضعف احترام الذات ما ينعكس سلبًا على المجتمع، أما مهنيًا وتعليميًا، فينتج عن هوس الترند تراجع التركيز وضعف الإنتاجية بسبب التشتت المستمر.
كيف نكسر الحلقة؟
على الرغم من الجوانب السلبية لهوس الترند، إلا أن لهذه الظاهرة وجهًا إيجابيًا يمكن توظيفه في خدمة المجتمع؛ فالترندات قادرة على أن تكون وسيلة فعّالة لرفع الوعي وترسيخ القيم الأخلاقية إذا أُحسن استخدامها. كما أن المؤسسات التربوية والإعلامية تملك فرصة لاستثمار قوة الترند في تسليط الضوء على القضايا المجتمعية الملحة، والتشجيع على تبني السلوكيات الصحية، والحد من الممارسات الضارة.
الترند ليس شرًا مطلقًا، لكنه أداة يمكن أن تُستخدم للبناء أو للهدم. وبينما يمكن أن يكون وسيلة للتفاعل الإيجابي وإطلاق المبادرات المفيدة، فإن تحوله إلى هوس غير منضبط يجعله تهديدًا مباشرًا للقيم. وبناءً عليه، فإن التعامل مع الترندات لا يعني الانعزال عنها أو الانغماس الكلي فيها، بل يتطلب نهجًا واعيًا وناقدًا يوازن بين الفضول الطبيعي لمعرفة ما يجري وبين القدرة على فرز المهم من التافه.
وبالتالي، فالتحدي الحقيقي أمامنا هو خلق وعي جمعي يجعلنا نختار ما يستحق المتابعة، ونصنع ترندات تعزّز هُويتنا وقيمنا بدل أن تُذيبها. كم من أشخاص قذفتهم موجة “الترند” إلى دائرة الضوء فجأة، فظنوا أنهم بلغوا القمة، لكن سرعان ما خفت بريقهم وانطفأت شعلتهم لأن شهرتهم كانت عابرة، قائمة على وهج زائف لم يلبث أن تلاشى. فالمجد الحقيقي لا يُبنى على “ترند”، بل على مسيرة راسخة من العمل الجاد، والجهد المستمر، والإبداع المتجدد الذي يمنح صاحبه مكانة ثابتة تتجاوز صخب اللحظة وسراب الشهرة السريعة. ولعل أخطر ما يكشف زيف هذا البريق هو ما نشهده من حكايات عديدة امتلأت بها ساحات القضاء، لأشخاص من مختلف الأعمار دفعهم “هوس الترند” إلى تجاوز القوانين والقيم، فسقطوا في دوامة ملاحقات قضائية وانتهت شهرتهم العابرة إلى فضائح وعقوبات.
التربية الإعلامية في قلب المعادلة
في عصر يتدفق فيه المحتوى بلا توقف، أصبحت التربية الإعلامية (Media Literacy) ضرورة حيوية لتمكين الأفراد –وخاصة الشباب– من التعامل الواعي مع السوشيال ميديا وموجات الترندات العابرة. فهي لا تكتفي بتعليم مهارات استهلاك المحتوى، بل تُعزز القدرة على التحليل النقدي للرسائل الإعلامية، وفهم سياقاتها، واكتشاف دوافعها، بما يحول الجمهور من مجرد مستهلك سلبي إلى متلقٍ ناقد يمتلك الوعي الرقمي ومهارات التحقق قبل الانخراط في أي موجة عابرة. فالترند قد يكون قوة إيجابية تُسهم في رفع الوعي أو أداة تضليل تُقوّض القيم، والفرق هنا يصنعه وعي الجمهور. ومن ثمّ فإن التعامل الواعي مع الترند لا يعني الانفصال عن الواقع الرقمي، بل امتلاك القدرة على التمييز بين ما يستحق التفاعل وما هو مجرد ضوء زائف، لتصبح التربية الإعلامية حجر الأساس في بناء وعي نقدي يحمي الأفراد من التضليل، ويمنحهم حرية الاختيار، ويضمن أن يبقى التفاعل الرقمي أداة للبناء لا للهوس المؤقت.
الـ”JOMO” .. متعة الغياب الواعي لمواجهة هوس الترند
في مقابل “الخوف من تفويت الفرصة” (FOMO) الذي يُعزز هوس الترند ويُدخل الأفراد في دوامة من القلق والاندماج غير الواعي، يبرز مفهوم “متعة تفويت الفرصة” أو (Joy of Missing Out) ويُعرف اختارًا بـ(JOMO) كخيار أكثر وعيًا واتزانًا يعيد تعريف السعادة بعيدًا عن الضجيج الرقمي؛ فيقوم الـ JOMO على إعادة تعريف العلاقة مع المحتوى الرقمي، حيث يجد الفرد متعة وراحة في عدم الانخراط في كل ما هو شائع، ويختار بوعي ما يتوافق مع اهتماماته وقيمه. هذه المقاربة تمنح الأفراد شعورًا بالتحرر من الضغوط الاجتماعية، وتعزز لديهم القدرة على التركيز في أولوياتهم الحقيقية بدل الانجراف وراء موجات مؤقتة. ومن هنا، يمكن النظر إلى JOMO كآلية وقائية تحمي من الآثار السلبية لهوس الترند، وتُرسّخ ثقافة التعامل الواعي والمسؤول مع وسائل التواصل الاجتماعي، وتذكر دائمًا أن الجومو لا يعني مقاطعة السوشيال ميديا، بل استخدامها بذكاء، كما يعني اختيار الغياب “بوعي” عن بعض الأحداث الرقمية.
هوس الترند والفومو والجومو ليست مفاهيم متنافرة، بل هي نقاط على خط واحد من السلوك الرقمي. الفومو يدفعك للهاث، هوس الترند يجعلك تركض بلا توقف، أما الجومو فيمنحك حق التوقف لاختيار الطريق. في عالم لا يهدأ، قد تكون القوة الحقيقية في أن تقول “لا” لبعض الترندات… ليس لأنك لم ترها، بل لأنك اخترت ما هو أهم منها.
في الختام، يمكن القول إن الحديث عن “هوس الترند” لا يقتصر على كشف خطورة الظاهرة أو توصيف ملامحها وآثارها على السلوك الاجتماعي، بل يمثل في جوهره دعوة جادة للمجتمع بكل مؤسساته التربوية والثقافية والإعلامية إلى إعادة النظر في أنماط استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وتبني استراتيجيات شاملة تعيد تنظيم العلاقة بين الأفراد والفضاء الرقمي. ومن هذا المنطلق، تصبح مسؤولية هذه المؤسسات مضاعفة في نشر الوعي الرقمي، وترسيخ منظومة القيم الإيجابية، وتوجيه الاستخدام نحو محتوى أكثر عمقًا واستدامة، بما يسهم في تحصين الأجيال من الانجراف وراء موجات عابرة قد تهدد استقرار المنظومة الأخلاقية والثقافية للمجتمع. كما أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، لضمان حماية المجتمع من التآكل القيمي والثقافي على المدى البعيد.





























