مهما أشارت المقاييس والعلوم الحديثة إلى معايير التقدُّم والتحضُّر في الدول، ومهما جعلتنا في عتاد الدول غير المتقدِّمة، فأننا أمّة شديدة التحضُّر، متحضِّرة بهذا الدّين “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ”.
ولم تكن خيرية الأُمَّة بمالها أو حسبها، بل بأنها خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، أي أَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، يرشدون إلى الخير، والخير أبواب واسعة بدأت من بعثة الأنبياء والرُّسل، وأمْرهم بالمعروف، ومرَّت بالقيم الدينية والأخلاقية، والتي تكمن فيها خيرية الأُمَّة. فالصدق والأمانة والإتقان وصِلة الرحم، حتى طلاقة الوجْه ولِيْن الكلمة من أوجه المعروف “البِرُّ أمرٌ هيِّنٌ، وجْه طليق وكلام لَيِّن”.
فأين الخلَل إذَن، ونحن نملك مقوّمات التقدّم والتحضّر بل الريادة؟! يأتي الخلَل من سوء التطبيق لتعاليم الدين، فهل كل طالب يسعى إلى التفوّق؟ وكم عامل يسعى لإتقان حِرفته والحفاظ عليها من الاندثار؟ وهل يُسيّر الموظّف مصالح الناس أمْ يعطِّلها؟! هل يصبر الفلاح على زرعته أم يستخدم محسِّنات للشّكل مضِرَّات للصّحة؟! هل يحسِن كلٌّ منّا ما بين يديه كما أمرنا الله عزَّ وجلَّ؟! فالحياة منظومة يقوم كل واحد فيها بدوره، وأي تقصير يؤثِّر ويحدِث خلَلًا في تلك المنظومة.
فعلى كل فرد أن يعلَم قيمته، وأنه عنصر من عناصر النجاح والتقدّم، فيتوقّف عن النقد والحديث الذي لا طائل له، ويحدّد دوره بوضوح، فهو الأب والطبيب والإبن والأخ، ويركِّز طاقاته وإمكاناته على القيام بهذا الدور، فيبذل الجهد ويحسِن العمل “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ”. فالإيمان بالله وتقواه والعمل الجاد يعيد للأمّة خيريَّتها ويجعلها قادرة على مواكبة التقدُّم، ولكن بمعايير نقيّة، فتأخذ ما يناسبها من العقول، تاركة ما يخالفها من النفوس.































