د. هنا شاهين: القضايا الوجودية تمنح صاحبها قُدرات مذهلة
د. شيماء طه: الثقة فى الله والتسلُّح بالصبر والأمل.. يولِّد السعادة
تقرير: مروة غانم
رغم كل المعاناة التى يكابدها شعب فلسطين الأبيّ، من قتل وتهجير وتهويد وإبادة جماعية على أيدي الصهاينة والمتطرفين، بل فقدان أبسط مقوّمات الحياة، إلا أن مؤشِّر السعادة العالمي الذى تصدره “شبكة حلول للتنمية المستدامة” التابعة للأمم المتحدة، سجَّل تقدّم فلسطين فى تصنيفها هذا العام!
حيث حلَّت فى المرتبة الـ109 عالميا, متقدّمة على عدة دول عربية من بينها: مصر والأردن والعراق, وذلك للعام الثاني على التوالي، وهو ما يعكس أن الشعور بالرضا والسعادة لا يتعلّقان بالحسابات المادية ولا رفاهية الحياة، إنما يتعلّق بعوامل عقائدية ونفسية فى المقام الأول.
لذا نحاول فى هذا التقرير معرفة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء شعور الشعب الفلسطينى بالرضا والسعادة رغم كل ما يتعرّض له.
تقول د. هنا شاهين- أخصائى الصحة النفسية-: من الأمور المثيرة للدّهشة هو تقدّم فلسطين الشقيقة فى مؤشّر السعادة على بعض الدول العربية الأكثر استقرارا، والتى يعيش أهلها حياة حرّة دون استعمار ودون قتل ودون إبادة، كما هو الحال فى الأراضى المقدسة!
وتتساءل: كيف يشعر شعب يعيش تحت القصف وفى حرمان لا مثيل له بدرجات من الرضا أعلى من مجتمعات تمتلك أفضل مقوّمات الحياة، وتنعم بالحرية والأمان؟! فإجابة هذا السؤال تتعلّق بالمعنى وليس بالظروف، مشيرة إلى وجود فرق بين السعادة بوصفها متعة, والسعادة بوصفها معنى ورسالة, فالشعب الفلسطينى يقدّم نموذجا واضحا لمعنى السعادة الحقيقي.
ووفقا لنظرية الصمود النفسي, فالإنسان يطوِّر من قدراته النفسية بشكل استثنائى حينما يواجه تهديدا وجوديا طويل المدى, ويعمل على التكيّف والاستمرار مع الوضع الجديد، خاصة اذا كان يمتلك هُوية راسخة وعقيدة متأصّلة وشبكة دعم اجتماعي متماسكة، وهذا ما يتمتّع به المجتمع الفلسطينى، كما توضح خبيرة الصحة النفسية.
وتشير “د. شاهين” إلى أن المعاناة المرتبطة بالقضية الوجودية والكرامة والهُوية تمنح صاحبها قُدرة مذهلة على الاحتمال والصمود ومن ثمَّ السعادة, لأن المعاناة بلا معنى تحبط صاحبها وتحطِّمه.
التديّن الإيجابي
ولفتت إلى أن دراسات التديّن الإيجابى تؤكّد أن العقيدة حينما تتحوّل إلى مصدر ثقة، تعمل كعامل حماية نفسي قوى ضد اليأس والانهيار, فالإيمان ليس مجرد ممارسة فردية بل إطار نفسي يمنح الناس القدرة على الصبر والرضا ومن ثمّ السعادة رغم المعاناة والألم.
وشدّدت على أن السعادة لا تعنى غياب الألم ولا تجاهل الفَقْد، بل هى قدرة نفسية على الاستمرار والتمسّك بالأمل وتحويل المعاناة الى معنى لمواصلة المشوار, وهذا سرّ من أسرارصمود الشعب الفلسطينى ورضاه عن حاله.
فعل مقاومة
تتفق معها د. شيماء طه- مدرس الأدب والنقد بجامعة الأزهر- مؤكدة أن السعادة فى المنظور الفلسطينى هى “فعل مقاومة”، فصاحب الأرض يتمسّك بابتسامته و كرامته كنوع من التحدى للواقع المرير الذى يعيشه, فقد ضرب الشعب الفلسطينى أروع الأمثلة فى الصمود ومفهوم السعادة، وأكدوا أنها لا تُستمد من رَغَد العيش أو طمأنينة الاستقرار, بل تنبثق من التمسّك بالحرية والكرامة والأمل فى غد مشرق وعدم الاستسلام للعدو، والرضا بالواقع المرير، والرغبة فى تغيير حاله لما يحب ويرغب.
تضيف: الشعور بعدالة القضية يعتبر دافعا قويا للصمود والتحدى، فضلا عن كونه يرفع من تقييم المسلم الذاتي للحياة رغم مرارتها وصعوبتها إلا أنهم يتغلّبون على كل هذه الظروف بالثقة فى الله والتسلُّح بالصبر والأمل فى النصر. وهذا ما جعلنا نشاهد أمّهات الشهداءعلى الشاشات تودّع أبناءها بالزغاريد، مع التسليم التام بقضاء الله، ولم نسمع من إحداهن كلمة تحمل اعتراضا أو سَخَطًا على ما يحدث لهن, كما نشاهد الشباب يوميا رغم الفَقد والظروف المأساوية ينشدون أفضل الأغانى والقصائد فى تحدٍ كبير لعدوّهم، وأنهم لن ينكسروا ولن يُهزموا ومُصرِّون على الحياة والدفاع عن أرضهم لبثِّ الأمل وتجديد العزيمة فى نفوس بعضهم البعض.
مجتمع فريد
أما د. دينا علم الشربينى- مدرس الأجتماع بجامعة الأزهر- فتؤكد أن الشخصية الفلسطينية تعتبر من الشخصيات القوية، لديها ثقة بالنفس مستمَدة من قوة الإيمان, ولديها عزّة نفس وكرامة منقطعة النظير، فضلا عن افتخارهم بموطنهم ونسَبِهم الفلسطينى, وهذا ما انعكس على تماسك الأُسر وتقوية الروابط العائلية ومساندة بعضهم فى وقت الشدائد. فضلا عن تمتّعهم بالرضا، وهو ما أصبغ عليهم الشعور الإيجابي والتغلّب على الظروف التى يعيشونها. مما يجعل المجتمع الفلسطينى مثالا للمجتمعات التى يجب أن يُحتذى بها فى وقت الصعاب.
تضيف: بالرغم من التحديات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التى تواجه المجتمع الفلسطيني إلا أنه يحاول امتصاص الصدمات والتكيّف الإيجابى مع هذه التحديات والحفاظ على بناء المجتمع وتماسك أبنائه، فضلا عن مؤازرة بعضهم ودعمهم نفسيا لمواصلة الحياة.
توضح أن الأُسرة الفلسطينية من أكثر الكيانات تأثُّرا سلبًا بالاحتلال الإسرائيلي، خصوصا فيما يتعلّق بالحياة اليومية والترابط العائلي والتماسُك الأُسرى.
وتشدِّد على تميّز المجتمع الفلسطينى بعقيدة دينية راسخة، فضلا عن الترابط المجتمعي والحفاظ على القيم الاجتماعية التى ضاعت فى بعض المجتمعات الأخرى، لكنها حاضرة بقوّة فى الداخل الفلسطينى كاحترام الأكبر سنًّا ورعايته والإصغاء إليه, وإكرام الضيف, والوقوف الى جانب الجار ومشاركته أحزانه وأفراحه، ومساعدة بعضهم البعض واحترام النساء وتقديرهن. فكل هذه العوامل أوجدت السعادة بين أفراد المجتمع ورسَّخت الشعور بالرضا الداخلى. وهذا ما جعل فلسطين تتقدّم فى الشعور بالسعادة على بعض الدول العربية التى تختلف ظروفها شكلا ومضمونا عما يعيشه أبناء فلسطين, وهذا يعزّز أن الشعور بالرضا والسعادة له معايير ومقاييس لا تتعلق بالوضع المادى أو السياسي أو الاقتصادى، إنما يتعلق بالعقيدة والإيمان وبعوامل نفسية تختلف من مجتمع لآخر.




























