لا شكّ أنّ كلّ مسلم استفاد من صيام شهر رمضان بشكلٍ أو بآخر، وجَنىٰ من ثمارهِ حسْبَ حاله مع هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، وكيف كان استقبالُه له وكيف تعاملَ معه؛ والقرآن يؤكد ذلك قال تعالى: {إنّا لا نضِيعُ أجرَ مَنْ أحسنَ عَمَلا} وهكذا مرور الليالي والأيام، وانصرام الشهور والأعوام، وما حال شهر رمضان عنا ببعيد؛ قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا). وشهرُ رمضان لم يكن كأيّ شهر من شهور العام؛ إنه شهر هدايةٍ للإنسان الذي يرجو لقاءَ ربّه، ومراجعة للنفس التي تبحث عن الحق، وتجديد للعهد الأزلي الذي بين العبدِ وربّه، وتنقية للصّحة العامة من السموم والرواسب التي تصيب الإنسان بين الحين والآخر، وفلترة للعلاقة الإيمانية بين الإنسان وربّه، كما جاء في الأثر: (إِنَّ هذه القُلوبَ لتصدأ كما يصدأُ الحديدُ، قيل: فما جِلاؤُها يا رسولَ اللهِ؟ قال: تَلاوة كتابِ اللهِ وكثرةُ ذكرِهِ).
ولكي نستفيد من هذا الشهر الكريم الذي يُلقي بظلالهِ على كافّة شهور العام، فنكون بذلك حقّقنا ما يَصبُوا إليه الصّيام من فوائد ومنافع؛ ومن ثمّ فكلٌ منّا قد عاش الشهر الكريم وكلٌ منّا جنىٰ من ثماره على قدْر طاقته، وعلىٰ قدر إقباله وإخلاصه وكيفية استقباله له؛ وهذا هو الذي يُبيّن الفرق بين شخص وآخر.
وبالتأكيد أن من أكرم الضيف وجد الأجر، ومن أحسن الاستقبال أحسن الوداع، ومن ذاق في سجوده حلاوةَ الإيمان، واستشعر سعادتَه في ختم القرآن، وحرَصت نفسُه على العبادة وراقب لسانَه وجنّبه الزلل؛ سيجد أثر ذلك؛ ومن علامات ذلك المحافظة على الثمار والآثار التي خرج بها هذا أو ذاك؛ وصدق ربّنا سبحانه إذ يقول: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185].
والمسلم الذي عاش مجالاً رحباً لتقوية الإرادة الجازمة، واستطاع أن يستعليَ علىٰ ضرورات الجسد، ويتحمّل ضغطها وثقلها إيثاراً لِما عند الله تعالىٰ من الأجر والثواب؛ يمكنه الآن أن يستعليَ علىٰ كل الشهوات والملذّات التي تنسيه آخرته وتنسيه لقاء ربّه سبحانه.































