بقلم: أ.د. أمل شمس
أستاذ علم اجتماع التنمية
كلية التربية جامعة عين شمس
أصبح واقع مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في تأثيره المباشر على الشباب، أحد أخطر القضايا التي تستدعي التوقف والتحليل. فنحن نعلم أن جيل زي (Gen Z) وجيل ألفا (Gen Alpha)، وهم تقريبًا من سن الثلاثين الآن وحتى خمس سنوات أو سنتين، يُطلق عليهم توصيف «المواطنين الرقميين». هؤلاء يتعاملون مع العالم الرقمي باعتباره مساحة موثوقة لتصديق المعلومات، سواء ما يُنشر على السوشيال ميديا أو ما يقدمه المؤثرون.
سلطة المؤثرين
بل إن من ضمن خصائص هذه الأجيال، كما أثبتت الأبحاث الأجنبية والعربية، أنهم يقتنعون بكلام المؤثرين، وهو ما يفسر الحملات الإعلامية التي تنتشر عبر منصات التواصل للترويج لمنتج أو لمكان أو لفكرة، في ظل أن كثيرًا من هؤلاء المؤثرين يحصلون على مقابل مادي نظير ما يقدمونه من محتوى أو ما يرددونه من رسائل.
أزمة الثقة
وهنا تتشكل الأزمة؛ لأن هذا الواقع يخلق صعوبة شديدة أمام المؤسسات والفئات التي يُفترض أن تكون صاحبة رأي متخصص. فقد يظهر شخص غير متخصص، لكنه محبوب وله حضور، يتحدث قليلًا ثم يصبح له جمهور ومتابعون، فيخرج ليدلي بآراء دينية أو يطرح قضايا حساسة دون علم أو تأهيل. والأسوأ أنه حتى إذا قال أحد المتخصصين رأيًا علميًا أو دينيًا منضبطًا، قد يجد من يسخر منه بهدف إضعاف الثقة في رأيه، أو في المؤسسة التي ينتمي إليها، أو في الخطاب الديني ذاته الذي يقدمه.
كتائب إلكترونية
الأمر لا يتوقف عند حدود الداخل المصري فقط، بل قد يدخل على الخط أطراف أخرى، وربما كتائب إلكترونية تستهدف تزييف وعي الشباب في مثل هذه القضايا، وهو ما يجعلنا أمام خطر مركب لا يتعلق فقط بسوء استخدام السوشيال ميديا، وإنما بتحويلها إلى أداة منظمة لإعادة تشكيل الوعي العام.
الكتلة الحرجة
ومن هنا يبرز السؤال: ما الإجراءات المطلوبة؟ بداية، علينا أن ندرك أن الشباب هم الكتلة الحرجة والقوة الحقيقية في أي مجتمع، خاصة مع ما نملكه من هيبة ديموغرافية واضحة. وحين يتشكل وعي هذه الفئات في المسائل الدينية وغيرها من القضايا الكبرى عبر مواقع التواصل، في ظل إمكانية دخول الذباب الإلكتروني أو كتائب منظمة مثل الكتائب الإسرائيلية وغيرها، ومحاولاتها العبث بالدين وإفساده أو تشويه ثوابته، فإن ذلك يشير إلى احتمالات حقيقية لظهور مشكلات في الجوانب العقدية والدينية، وفي طريقة استقاء المعرفة من مصادر غير مأمونة.
نشاط الأزهر
وفي المقابل، أرى أن هناك بالفعل نشاطًا ملموسًا للأزهر الشريف، من خلال إطلاق منصات للرد على الفتاوى، عبر متخصصين مؤهلين ومُعدين بشكل جيد، وهو توجه مهم لكنه يحتاج إلى توسع وعمق أكبر لمواجهة هذا المد المتسارع.
السمات النفسية
وأتوقع أن أول ما يجب أن يكون حاضرًا في إعداد القائمين على هذه المنصات، أن يكونوا ملمين بالسمات النفسية للمراحل العمرية الصغيرة، حتى يستطيعوا مخاطبة عقول الشباب بالشكل المناسب. فالقضية لم تعد مجرد تقديم حكم أو رأي، وإنما كيفية تقديمه بطريقة تستوعب طبيعة تفكير المتلقي. ذلك لأن بعض المغرضين يدرسون المغالطات المنطقية ويستخدمونها مع الشباب من أجل التشكيك في الدين، ومن ثم يصبح ضروريًا أن يكون الفقيه أو المتحدث عبر المنصات مدركًا لهذه المغالطات وقادرًا على تفكيكها والرد عليها بالحجة والوعي.
تعدد المنصات
كما أن الأمر لا ينبغي أن يقتصر على منصة واحدة. فلا بد من أن تتسع المنصات وتتعدد موضوعاتها، بحيث لا تكون منصة الأزهر وحدها هي الحضور الرقمي، بل يمكن أن تكون هناك منصات متعددة: منصة تابعة للأزهر، منصة تابعة لجامعة الأزهر، منصة للفتاوى الزوجية، منصة لفتاوى العمل، وغيرها من المنصات المتخصصة. فالتعدد هنا يصنع زخمًا وانتشارًا قادرًا على مواجهة محاولات الاستهداف المتعمد لتزييف وعي الأفراد، ويخلق حضورًا قويًا للمرجعيات المتخصصة في مواجهة المرجعيات غير المؤهلة.
تشريعات رادعة
وبعد مخاطبة الشباب ووعيهم، تأتي ضرورة لا تقل أهمية، وهي وجود تشريعات واضحة تجرّم الإفتاء بغير علم. فلا يمكن أن نترك المجال مفتوحًا أمام ممثلة أو شخصية عامة لتقول هذا حرام وهذا حلال، ولا يمكن أن يظهر شخص غير متخصص ليشكك في وقائع دينية كبرى أو يروج لإنكار أحداث ثابتة في الوعي الديني، ثم تمر الأمور وكأنها مجرد آراء شخصية.
محاسبة قانونية
نحن بحاجة إلى محاسبة قانونية للكذب والافتراء، لأن البعض يتصور أنه حين يهاجم الرموز الدينية أو يشكك في الثوابت، فلن يحاسبه أحد، خاصة إذا كان الحديث يتعلق بأشخاص رحلوا. لكن الحقيقة أن هذه ليست مجرد قضايا تاريخية، بل هي أسس دينية واجتماعية ومستقبلية يقوم عليها المجتمع، ويجب الحفاظ عليها وعدم السماح بالمساس بها، سواء تعلق الأمر بالأنبياء أو التابعين أو غيرهم من الرموز الدينية التي تمثل جزءًا من البناء القيمي للأمة.
حماية الوعي
إن حماية وعي الشباب اليوم لم تعد خيارًا، بل ضرورة وجودية، لأن المعركة لم تعد فقط حول «معلومة» تنتشر، وإنما حول هوية تتشكل، وعقل يُعاد بناؤه، وثقة تتعرض للاهتزاز في كل ما هو ثابت ومؤسس.




























