بقلم د صبحي زردق
استشاري الأمراض النفسية والعصبية
كان النبي صلوات الله عليه لأصحابه ناصحاً و معلماً حاذقاً ، وقد كان يمارس معهم طرق تعليمية لم تكتشف إلا في العصر الحديث، من تلك الطرق ما يُعرف حالياً في علم التربية والتعليم بـ ” استراتيجية اللغز التعليمي “.
نص الحديث :
” أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرةً لا يَسقُطُ ورَقُها، وهي مَثَلُ المُسلِمِ، حَدِّثوني ما هي؟ فوقَعَ النَّاسُ في شَجَرِ الباديةِ، ووقَعَ في نَفسي أنَّها النَّخلةُ، قال عبدُ اللهِ: فاستَحيَيتُ، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، أخبِرْنا بها؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هي النَّخلةُ” صحيح البخاري.
ما هى استراتيجية اللغز التعليمي ، و كيف طبقها النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة الكرام ، جامعاً في ذلك بين عنصر التشويق ، و التفكير النقدي العميق ، و جلسات العصف الذهني ؟
يُعتبر اللغز التعليمي (Educational Riddle/Puzzle) أحد أرقى استراتيجيات “التعلم بالاكتشاف” و “التعلم باللعب” . وهو ليس مجرد سؤال للترفيه، بل هو أداة تعليمية مصممة بعناية لتحقيق أهداف معرفية ومهارية محددة.
إليك تفصيل لمعناه وأهميته في ضوء التربية الحديثة والحديث النبوي الذي ذكرناه:
أولاً: معنى اللغز التعليمي
هو موقف تعليمي يُقدم للمتعلم في صورة “مجهول” يتطلب حلاً، بحيث يحتوي هذا المجهول على تلميحات (Scaffolding) تربط بين ما يعرفه المتعلم سابقاً وبين المعلومة الجديدة المراد الوصول إليها.
عناصره الأساسية:
المحفز: سؤال أو وصف يثير الفضول (مثل: “إن من الشجر شجرة…”).
المعطيات: خصائص الحل (مثل: “لا يسقط ورقها”، “مثل المسلم”).
الفجوة المعرفية: المسافة بين السؤال والجواب التي تستلزم جهداً ذهنياً لردمها.
ثانياً: أهمية اللغز التعليمي (لماذا نستخدمه؟)
- تنشيط العمليات الذهنية العليا
بدلاً من التلقي السلبي (الحفظ)، يجبر اللغز العقل على ممارسة:
التحليل: تفكيك مواصفات اللغز.
التركيب: ربط الصفات ببعضها للوصول لنتيجة.
الاستنتاج: الوصول للحل بناءً على القرائن.
- تعزيز “التعلم المستدام” (Retention)
المعلومة التي يصل إليها المتعلم بعد بحث وتحرٍّ وفشل ثم نجاح، تثبت في الذاكرة الطويلة المدى بشكل أقوى بمراحل من المعلومة التي تُلقى إليه مباشرة. (لهذا نتذكر حديث النخلة وتفاصيله بفضل “اللغز” الذي طرحه النبي ﷺ).
- إثارة الدافعية والتشويق (Engagement)
يخلق اللغز حالة من “التوتر الإيجابي” في الدماغ؛ حيث يسعى المتعلم لإغلاق الفجوة المعرفية للحصول على شعور “الإنجاز” عند الوصول للحل، مما يزيد من هرمون الدوبامين المرتبط بالمتعة والتعلم.
- تطوير مهارات التفكير الجانبي (Lateral Thinking)
يدفع اللغز الفرد للتفكير “خارج الصندوق”، والبحث عن حلول غير تقليدية، والربط بين مجالات قد تبدو غير مترابطة (مثل الربط بين علم النبات وعلم الأخلاق).
- مراعاة الفروق الفردية
في جلسة اللغز، تظهر قدرات متباينة؛ فهناك من يحلل بسرعة (كابن عمر)، وهناك من يحاول بالخطأ والصواب (الذين وقعوا في شجر البوادي)، مما يسمح للمعلم بتقييم مستويات التفكير لدى المجموعة.
ما يبرهن في النهاية على أنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ، وصلى الله وسلم على من علم البشرية جلسات العصف الذهني والتفكير خارج الصندوق قبل العلم الحديث بـ ١٥ قرن من الزمان.




























