الحمدُ لله أنْ منَّ علينا- نحن المصريين- بنِعَمِ الأمْن والأمان، والمحبّة والترابُط، وفضَّلنا على كثير من عباده فى كونه الفسيح، فأكرَمنا بـ”وَطَنٍ” أنبَتَنَا من طيِّب أرضه، وارتوينا من عذْب ماءِ نِيْله، فنشأنَا بين أحضان أبنائه متحابّين متماسِكين، فهذه هى السِّمات التى جُبِلَ عليها المصريون جيلا بعد جيل، بل أجيالا متعاقبة متواصلة، حتى عُرِفوا بها منذ فَجْر التاريخ، وقد استمَدت هذه الخِلال العظيمة قدَاسة إلهيّة، بما أنزله الخالِق- عزَّ وجلَّ- من صفات الجلال والعَظَمة عليها من تأكيد فى كُتبه المقدَّسة ورسالات أنبيائه ورُسله- عليهم جميعا الصلاة والسلام- حتى ذُكِرت مصر ستمائة وإحدى عشرة مرة في الكتاب المقدّس، بداية من سِفْر التكوين 12:10 وحتى سِفْر الرؤيا 11: 8، ودارت معظم قصَص التحدّي والمعجزات العبرانية- ضد مصر تحديدا- نظراً لمكانة مصر الحضارية المهيمنة على العالم القديم وقتها، حتى لم يجد العبراني في كنعان وبني إسرائيل من يُعَلِّق عليه كل مأساة شعبِه غيرها.
أمّا في المسيحية، فقد مثَّلت مصرُ موطِن الحماية واللجوء في قصّة العائلة المقدّسة.
وفي الإسلام وُضعت مصر ضمن سياق قصص قرآنية عن أنبياء بني إسرائيل حيناً، وبآيات تقديس لمكانتها في موضِع قوله تعالى: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)، وهو الوصف المقدّس ذاته المذكور في ثلاثة مواضع فقط في القرآن: دخول الجنّة، ودخول الحَرَم المكّي، دخول مصر.
وقد وصفها سيّدنا رسول الله، بأن أهلها فى رباط إلى يوم القيامة، فيما رواه سيّدنا عمرو بن العاص- رضي الله عنه-: حدَّثني عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنَّه سمع رسول الله يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي، فاتّخذوا فيها جُندًا كثيفًا؛ فذلك الجُند خير أجناد الأرض». فقال أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم في رباط إلى يوم القيامة». هذا الرباط لا يقتصر على “الجُنْد” فقط بل يشمل جميع أهليهم من آباء وأُمَّهات وأبناء وحَفَدَة، وهكذا يصبح المصريون جميعا فى رباط وتماسك وتوادّ وتراحم إلى قيام الساعة.
ولذا فنحن جميعا- مسلمين ومسيحيين- مترابطين، متجمَّعين، كنَّا بالأمسِّ القريب- معًا- على موائد إفطار رمضان المعظَّم، واليوم نتقاسَم (الفسيخ والرِّنجة والمُلوحَة والبيض الملوَّن) على مائدة طعام “شَمِّ النسيم”، سواء فى البيوت أو الحدائق والمُتنزّهات، الفرحة تجمعنا، والبسْمة والضحْكة تعلو الوجوه، نتغلَّب على الأزمات بـ”النُكْتَة” و”الأفْشَة”، لتظل فيما بيننا “المحبَّة” التى تدعو إليها كل الأديان السماوية، بل كل الفلسفات والحضارات والثقافات الإنسانية السويّة، لا مكان بيننا لدعوات الحِقد والكراهية.
ولـ”تحيا مصر” دائمًا وأبدًا فى أمن وأمان، ومحبّة وتراحم، بأبنائها الأوفياء المُخلِصين.





























