الشيخ أحمد تركي: بكيت كثيرًا.. والاكتئاب موجة كالبحر لا بد أن تمر
د. محمد المهدي: الاكتئاب مرض حقيقي يدفع صاحبه لفقدان الأمل
د. هشام ربيع: الشريعة حرّمت الانتحار وأمرت بالرحمة
تحقيق: إسراء طلعت
هزّت واقعة انتحار شابة، ألقت بنفسها من الطابق الثالث عشر، بعد بثّ مباشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشاعر المجتمع، خاصة بعدما تركت خلفها طفلتين، وعبّرت في لحظاتها الأخيرة عن معاناتها من اكتئاب حاد وانهيار عصبي، مؤكدة ألا أحدا يشعر بآلامها أو يمد لها يد العون!
هذه المأساة أعادت تسليط الضوء على أهمية الرحمة والتراحم بين أفراد المجتمع، وضرورة التعامل بجدية مع المرض النفسي بعيدًا عن القسوة أو الاستهانة بمعاناة المصابين بالاكتئاب.
في هذا السياق، نعى الشيخ أحمد تركي- أمين سر اللجنة الدينية بمجلس الشيوخ- الفتاة، معربًا عن بالغ حزنه إزاء هذه الواقعة المؤلمة التي هزّت مشاعر المجتمع، قائلًا: «بكيتُ كثيرًا حينما رأيتُ فيديو هذه المسكينة المنهَكة وهي تتخلّص من نفسها تحت تأثير الضغوط والشعور بالقسوة والاكتئاب، وأرجوكم خفّفوا عن أنفسكم وذويكم واجبروا بخاطرهم ولا تكونوا عونًا مع الظروف القاسية عليهم».
أضاف: “موجة الاكتئاب زي موجة البحر، لازم ترفع رأسك أو تخفضها لحد ما تعدي، وهتعدي حتمًا وربنا هيكتب لك السلامة والنجاة واللطف، إنما لو أخذتك الموجة بوجهك ومشاعرك وسيطرت عليك، للأسف هتحصل كارثة، وهتعدي برضه بس بخسائر ممكن تصل لدرجة الانتحار”.
وأكد “تركي” أن التمسّك بالأمل واللجوء إلى الله يمثّلان طوق النجاة من الأزمات النفسية، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ﴾ [يوسف: 110]. كما شدّد على أهمية الصبر والصلاة والدعاء والأخذ بالأسباب، وعدم الاستسلام لمشاعر الكراهية أو جلد الذات، مؤكدًا أن الابتلاءات تحمل في طياتها حكمًا إلهية، وأن الله «لا يضيع أهله».
وأشار إلى ضرورة طلب المساعدة المتخصصة عند تفاقم الضغوط النفسية، موضحًا أن «الطب النفسي ليس عارًا ولا ينقص من قدر الإنسان»، مستشهدًا بقول النبي: «تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء».
أخطر الظواهر
من جانبه، يؤكد د. محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، أن الانتحار يُعد من أخطر الظواهر المجتمعية التي تعكس حجم المعاناة النفسية التي قد يمر بها الإنسان، مشيرًا إلى أن الاكتئاب الحاد ليس مجرد حالة حزن عابرة، بل هو مرض نفسي حقيقي قد يفقد المصاب به القدرة على التفكير السليم أو رؤية الأمل في الحياة. موضحا أن كثيرًا من المنتحرين يرسلون إشارات استغاثة قبل إقدامهم على هذه الخطوة، مثل التعبير عن اليأس أو الشعور بعدم القيمة أو العزلة، إلا أن هذه الإشارات قد لا تجد من يلتفت إليها بالاهتمام الكافي.
وشدَّد على أن التعامل مع مريض الاكتئاب يجب أن يقوم على التفهّم والاحتواء، وليس اللوم أو التقليل من معاناته، مؤكدًا أن الدعم الأُسري والمجتمعي إلى جانب العلاج النفسي والدوائي يمثّل حجر الأساس في الوقاية من الانتحار.
تكاتف مجتمعى
ويوضح د. هشام ربيع- أمين الفتوى بدار الإفتاء- أن الانتحار يُعد من أخطر الظواهر المجتمعية التي تستدعي تكاتف الجهود الدينية والطبية والمجتمعية، مشيرًا إلى أنه ليس مجرد سلوك فردي بل مأساة إنسانية تعكس حجم المعاناة النفسية، خاصة في ظل الإصابة باضطرابات نفسية مثل الاكتئاب الحاد.
وأكد أن الشريعة الإسلامية شدّدت على حُرمة الانتحار باعتباره اعتداءً على النفس التي هي أمانة من الله، مستشهدًا بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، موضحًا أن اختزال هذه المأساة في “ضعف الإيمان” يُعد فهمًا قاصرًا، إذ إن كثيرًا ممن يُقدمون على هذا الفعل يكونون تحت وطأة مرض نفسي حقيقي، ما يستوجب التعامل معهم بالرحمة والتفهم بدلًا من اللوم أو الإدانة. كما شدّد على أن حفظ النفس يُعد من أعظم مقاصد الشريعة، وأن الإسلام دعا إلى التداوي والأخذ بأسباب الشفاء.
نحن مقصِّرينّ
يؤكد د. أسامة قابيل، من علماء الأزهر، أن الحادث المأساوي يمثّل جرس إنذار حقيقي للمجتمع كله، مشدّدًا على أن مثل هذه الوقائع المؤلمة لم تعد حالات فردية، بل تعكس حجم الضغوط النفسية التي يعيشها البعض في صمت دون أن يجدوا من يحتويهم أو يمد لهم يد العون.
أوضح أن الإسلام حرّم الانتحار تحريمًا قاطعًا، لأنه اعتداء على النفس التي جعلها الله أمانة عند الإنسان، وليس ملكًا له، مؤكدًا في الوقت ذاته أن باب رحمة الله لا يُغلق، وأن الحكم على الأشخاص يكون لله وحده، خاصة في ظل ما قد يمر به الإنسان من اضطرابات نفسية شديدة قد تؤثر على إدراكه واختياره.
أضاف ردًا على سؤال: هل المنتحر خارج من رحمة الله؟ أن رحمة الله أوسع من أن يُحكم عليها بعقول البشر، ولا يجوز الجزم بمصير إنسان بعينه، مشيرًا إلى أن النصوص التي وردت في التحذير من الانتحار جاءت للردع والتنبيه إلى خطورة هذا الفعل، لا لإغلاق باب الأمل أو الرحمة، وأن هناك فرقًا بين من يُقدِم على هذا الفعل عن وعي كامل، وبين من يصل إلى حالة من الانهيار النفسي الشديد.
أشار إلى أن الواجب اليوم لا يقتصر على الوعظ فقط، بل يمتد إلى الاحتواء النفسي والروحي الحقيقي، قائلًا: إن كثيرًا من الذين يصلون إلى هذه المرحلة لم يكونوا يريدون الموت بقدر ما كانوا يبحثون عن مَخرَج من الألم، لكنهم لم يجدوا من يسمعهم أو يشْعر بهم.
وطالب المجتمع بكل مكوّناته، من أسرة وأصدقاء ومؤسسات، بأن يكون أكثر وعيًا بحالات الاكتئاب والضغوط النفسية، وأن يُحسن التعامل معها، بعيدًا عن السخرية أو التجاهل، لأن كلمة طيبة أو موقف دعم صادق قد يُنقذ إنسانًا من لحظة ضعف قاتلة.
وشدّد على أن ما حدث يجب أن يدفعنا جميعًا لمراجعة أنفسنا، والاقتراب ممن حولنا، والانتباه لأي علامات ألم أو عزلة، قائلًا: “احتووا من حولكم.. فالدعم في لحظة ضعف قد يصنع فرقًا كبيرًا”، داعيا بأن يرزقنا الله جميعًا الرحمة والسكينة وأن يحفظ الناس من كل سوء.
اعتداء محرَّم
يشير د. بشير عبدالله- من علماء الأزهر- إلى أن الإسلام حرَّم الاعتداء على النفس أو على ما دون النفس أيًّا كانت هذه النفس المعتدَى عليها “مسلمة أو غير مسلمة” قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) هذا وللنص الكريم تأويلات كثيرة منها: لا يقتل بعضكم بعضا، فإن قتل بعضكم لبعض قتل لأنفسكم، وفيه مبالغة في الزجر عن هذا الفعل.
والمتبادر إلى الفهم أن النهي هنا، نهي عن القتل الحسّي إلا أنني أرى أن هناك نهيًا عن القتل المعنوي الذي يكون بالنظرة، أو الكلمة، وهو أبلغ في قتل النفس وتدميرها، فكم من كلمة سوء قتلت نفسا وأماتتها معنويا، ودمرتها داخليا، حتى أردتها حسيا، مخالفة بذلك تعاليم الإسلام السمحة التي وجّهت بجمع المؤمنين على التناصح والتراحم والتعاطف، والنصوص في ذلك كثيرة منها قول النبي: (الدين النصيحة) وقوله: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، فالمجتمع الصالح هو ذاك المجتمع الذي يستشعر بعضه آلام بعض بالعون والمساعدة والكلمة الطيبة، التي تجدّد الآمال، وتحيى نفس الإنسان، وتقوّي اليقين في الله ذاك اليقين الذي يثمر سكون القلب وطمأنينة الروح وراحة النفس، الذي يشعرك أن الله معك في كل تفاصيل الحياة.
دعوة “عقيدتى”
وتبقى هذه الحادثة المأساوية رسالة إنسانية للمجتمع بأسره، تؤكد عليها “عقيدتي”: أن الرحمة والاحتواء ليسا مجرد قيم أخلاقية، بل ضرورة لحماية الأرواح وصون كرامة الإنسان. فالكلمة الطيبة والدعم النفسي قد يكونان سببًا في إنقاذ حياة إنسان، وهو ما يستدعي أن نراجع تعاملاتنا اليومية مع من حولنا، وألا نستهين أبدًا بآلام الآخرين أو معاناتهم.





























