بينما تمضي الدولة المصرية قدمًا في إصلاح منظومة قوانين الأسرة، تظل بعض الوقائع الإنسانية تطرح تساؤلات ملحّة حول مدى وصول هذه الجهود إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.
كم قصة مؤلمة تؤرقنا حين نسمعها… لتؤكد أن الحماية يجب أن تسبق الأزمات، لا أن تأتي بعدها؟
في هذا السياق، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بسرعة تقديم مشروعات قوانين الأسرة المصرية إلى مجلس النواب، بما يشمل قوانين الأحوال الشخصية للأسرة المسلمة والمسيحية، إلى جانب إنشاء صندوق دعم الأسرة.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا واضحًا لحجم التحديات التي تواجه الأسرة المصرية، وسعيًا نحو بناء إطار تشريعي أكثر عدالة وتوازنًا.
إنها لقراءة في فجوة التطبيق والوعي، في ضوء جهود رؤى جديدة للتشريعات أكثر حفاظًا وأمانًا، وقصص واقعية تكشف الحاجة إلى أمان اجتماعي أكثر فاعلية.
لكن، وعلى جانب آخر من المشهد، تفرض بعض الوقائع الإنسانية المؤلمة نفسها بقوة – ومنها قصة بسنت سليمان وقبلها قصص مشابهة – لتعيد طرح سؤال أكثر عمقًا وإلحاحًا:
هل تصل هذه الجهود بالفعل إلى من يحتاجها في الوقت المناسب؟
الحقيقة أن مواصلة دراسة القوانين لملائمتها لمستجدات العصر يمثل خطوة ضرورية ومهمة، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق الحماية المجتمعية المنشودة.
فمن منظور سوسيولوجي، تتجلى الفجوة بين “التشريع” و”التطبيق” كأحد أبرز التحديات، حيث لا تزال هناك معوقات تتعلق بآليات التنفيذ، وكفاءة القائمين عليه، إلى جانب ضعف الوعي المجتمعي بحقوق وواجبات الأفراد داخل المنظومة الأسرية.
وفي هذا الإطار، يصبح “الأمان الاجتماعي، خاصة للمرأة، والأم، والحاضنة ليس مجرد نص قانوني، بل منظومة متكاملة تبدأ من التشريع، لكنها لا تتحقق إلا من خلال التطبيق العادل، والوعي المجتمعي، ووجود بيئة داعمة تحمي الأفراد من الضغوط النفسية والاجتماعية.
كما لا يمكن إغفال تأثير ما يمكن تسميته بـ “الثقافة الضاغطة”، سواء في الواقع أو عبر السوشيال ميديا، والتي قد تسهم في مضاعفة الأعباء النفسية، بدلًا من أن تكون مساحة للدعم والاحتواء.
ومن هنا، تبرز أهمية التوجيهات الرئاسية الداعمة لدور الدراما والإعلام في بناء الوعي المجتمعي، باعتبارهما أدوات قادرة على ترسيخ قيم الاحترام، وتعزيز فهم الحقوق والواجبات، خاصة فيما يتعلق بقضايا الأسرة.
فالدراما، حين تُقدَّم بوعي ومسؤولية، لا تكتفي بعكس الواقع، بل تسهم في تغييره، وتُقرب المفاهيم القانونية إلى الجمهور، وتدعم ثقافة الحماية الاجتماعية بشكل عملي وملموس.
قصة بسنت ليست مجرد حالة فردية، بل جرس إنذار يُذكّرنا بأن الطريق إلى السلام النفسي بداخل الأسرة لا يمر فقط عبر إصدار القوانين، بل عبر ضمان تفعيلها، ونشرها، وتحويلها إلى واقع يشعر به الناس في حياتهم اليومية.
وإذا كانت الدولة قد بدأت بالفعل خطوات جادة نحو إصلاح تشريعي شامل، فإن التحدي الحقيقي الآن يكمن في سد الفجوة بين النص والتطبيق، وبين القانون والوعي، لأن قوة أي قانون لا تُقاس بمدى تقدمه، بل بقدرته على حماية من هم في أمسّ الحاجة إليه.





























