تشِيع بين بعض الشباب دعوى مؤدّاها أنَّ العقل لا يقبل إلا ما يقع تحت الحسِّ والتجربة، وأنَّ ما وراء ذلك من الغيب لا سبيل للإيمان به. وهذه الدعوى– عند التأمل– تضييقٌ لأفق المعرفة وحصرٌ لها في جانب واحد، مع أنَّ الإنسان في حياته اليومية يسلِّم بأمورٍ كثيرة لا يراها ولا يلمسها.
فالإنسان يقبل بوجود الحب والرحمة، يؤمن بضمير نفسه وضمير غيره، يوقن بوجود عقول وأرواح غير مرئية، مع أنه لا يطّلع عليها مباشرة، ومع ذلك لا يُعدُّ ذلك خروجًا عن العقل. وهذا يوضّح أنَّ العقل لا يقتصر على المحسوس فحسب، بل يمتد إلى ما وراءه، ويستدل على الغيب من خلال ما يراه ويسمعه ويدركه.
وقد جاء القرآن مؤكدًا هذا المعنى، فجعل الإيمان بالغيب من أوصاف أهل الهداية، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]، كما دعا الإنسان إلى النظر في الكون والاعتبار بآياته في كل مكان، فقال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53].
وتشير هذه الآيات إلى أنَّ كل شيء محسوس في الكون يحمل دلالة على ما وراءه من حقائق غيبية. فالتأمل في الشمس والقمر والنجوم، وفي النفس البشرية، كلُّه يقود إلى الاعتراف بموجد خالق، لا يراه الإنسان لكنه يعي أثره وعظمته.
وفي حياتنا اليومية، نؤمن بأمور كثيرة دون أن تراها أعيننا، مثل الحب بين الناس، أو صدق الأخبار والمعلومات الموثوقة. فهل يكون العقل قد خرج عن الصواب حين يقبل هذه المعاني؟ بالطبع لا، بل هذا عين العمل الطبيعي للعقل البشري الذي يتجاوز المحسوس إلى ما وراءه.
ومن هنا يظهر جليًا أنَّ إنكار الغيب بإطلاق ليس تعظيمًا للعقل، بل تضييقٌ له وكبتٌ لقدرته على إدراك أبعاد الوجود الواسعة. فالإيمان بالغيب– كما أراده القرآن– ليس قفزًا في الظلام، بل امتداد طبيعي للعقل، واستعمال سليم له في فهم الوجود، والانتقال من ظاهر الأشياء إلى حقيقتها، ومن آثار الكون إلى خالقها وموجِّدها.
وخلاصة القول: إنَّ العقل لا يرفض الغيب، بل يقرُّ بإمكانية وجوده ويستدل عليه بدلائل محسوسة، والإيمان بالغيب ليس خروجًا عن العقل، بل هو أكمل صورته حين يتجاوز حدود المحسوس ويصل إلى إدراك ما وراء المادة وفهم حقائق الوجود التي لا تُدرك إلا بالإيمان البصير.





























