مصر أمة ذات حضارة عريقة.. احتضنت الأنبياء وصنعت التاريخ
المعرفة “مشروع حياة”.. لاستقامة الحياة
“العربية” لغة مقدسة.. تحمل المعاني الكونية الكبرى
40 عملًا باللغات الصينية والإنجليزية والماليزية.. فضلاً عن لوحات الخط العربي
مصطفى ياسين
تصوير حسام عادل
في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار ويضيق فيه حيز التفكير العميق، يبرز الحاج “يوسف ليو باوجون” باعتباره نموذجًا نادرًا للمسلم المثقف الموسوعي الذي لا يكتفي بالكتابة، بل يجعل من المعرفة مشروع حياة، ومن الجمال لغةً، ومن التبادل الثقافي رسالة.
فمن الصين إلى ماليزيا، ومن الخط العربي إلى التاريخ واللغة والتصوير والترحال، يمتد مساره لأكثر من ثلاثة عقود من العمل الجاد الصامت، تاركًا أثرًا واضحًا في الدراسات الإنسانية والفنون والتواصل الحضاري.

مصر.. رحلة حضارتين
وفي إطار انفتاحه الدائم على الحضارات القديمة، قام “يوسف ليو باوجون” مؤخرًا برحلة ثقافية إلى مصر، زار خلالها القاهرة، الأقصر، الإسكندرية، الأهرامات، وادي الملوك، مكتبة الإسكندرية.
كما التقى رئيس اتحاد الكتاب المصريين وعددًا من كبار الخطاطين والمثقفين والصحفيين، وناقش معهم قضايا الترجمة والنشر والتبادل الثقافي.
وأهدى خلال الزيارة ترجمات عربية لبعض الأعمال الكلاسيكية الصينية، معربًا عن أمله في بناء مشاريع ترجمة متبادلة بين الثقافتين العربية والصينية.
فلسفة حياة
يؤمن “يوسف ليو باوجون” بأن الإنجاز أبلغ من الأقوال، وأن تهذيب الذات، وممارسة الرياضة، والعناية بالجمال الداخلي والخارجي، هي أسس للحياة المتوازنة. ويرى أن حماية الطبيعة والإنسان، والسعي إلى التسامي الروحي، تمثل جوهر الثقافة الحقيقية، وأن دور المثقف لا يكتمل إلا بالعمل الصامت المثمر.
ويؤكد أن حياته محاولة لخدمة الحضارة الإسلامية في سبيل الله من خلال المعرفة والمنشورات والفنون. وأن الحياة من منظور كاتب صيني مسلم هى رحلة من الكفاح الشديد بمساعٍ ذات معنى.
واصفاً مصر بأنها أمة ذات حضارة عريقة جداً عاش فيها العديد من الأنبياء من قبل، لذا فإن “زيارتي لها لمرة واحدة لا تكفي”.
“ليو باوجون” يعتبر “الحاج يوسف ما جيان”؛ (1906-1978)؛ قدوته الصيني، لإسهاماته العظيمة في خدمة الإسلام بالصين، من خلال دراسته في الأزهر، عام 1932، حيث قام بترجمة كتاب “أمثال كونفوشيوس الصينية إلى العربية”، نشرته دار القاهرة للنشر الكلاسيكي. لاحقًا، عام 1939، بعد عودته إلى الصين، عمل أستاذًا للغة العربية في جامعة بكين من عام 1946 إلى 1978. ثم قام بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الصينية. وترجمة كتاب “تاريخ العرب” و”قاموس اللغة الصينية للعربية والعربية للصينية”.
خلال رحلته الثقافية والبحثية إلى مصر، لم يكن الحاج يوسف ليو باوجون وحيدًا. فقد رافقه صديقه المهندس محمد مجدي، الذي أتيحت له فرصة نادرة للاطلاع عن قرب على شخصية هذا المثقف الآتي من أقصى الشرق، وعلى علاقته العميقة بالثقافة العربية واللغة القرآنية.
وفي هذا الحوار، يقدّم م. محمد مجدي شهادة شخصية تكشف جانبًا إنسانيًا وفكريًا لافتًا من تجربة “ليو باوجون”.
الانتماء الروحي
■ بدايةً، كيف تصف اهتمام “يوسف ليو باوجون” بالثقافة العربية خلال الرحلة؟
يبتسم م. مجدي قبل أن يجيب: “بصراحة، اهتمامه بكل ما هو عربي لم يكن اهتمام زائر أو سائح، بل اهتمام إنسان يشعر بالانتماء الروحي. منذ اللحظة الأولى لوصولنا إلى القاهرة، كان ينظر إلى اللغة العربية بوصفها لغة حيّة، وليست مجرد تراث أو وسيلة تواصل.”
■ هل كان هذا الاهتمام نظريًا فقط، أم تجلّى في تفاصيل الحياة اليومية؟
“كان ملموسًا جدًا. كان يتوقف طويلًا أمام الكتابات العربية في الشوارع، على جدران المساجد، على اللافتات القديمة، وحتى على شواهد القبور. يقرأ، يسأل، ويتأمل شكل الحرف قبل معناها. أكثر ما كان يلفتني أنه ينظر إلى الحرف العربي بعين الخطاط، وبقلب المؤمن.”

لغة مقدسة
■ وكيف كان يعبّر عن نظرته إلى اللغة العربية؟
“قال لي أكثر من مرة إن العربية ليست مجرد لغة مقدسة لأنها لغة القرآن فقط، بل لأنها اللغة التي اختارها الله لتخاطب البشرية كلها. كان يؤمن أن قدسية العربية مسؤولية، وأن التعامل معها يجب أن يكون باحترام عميق وفهم حقيقي، لا شعارات.”
■ هل انعكس اهتمامه بالقرآن على حواراته مع المثقفين المصريين؟
“نعم، وبشكل واضح. في لقاءاته مع اتحاد الكتاب، والخطاطين، والصحفيين، كان دائمًا يعود إلى القرآن بوصفه أساسًا أخلاقيًا وجماليًا. لم يكن يتحدث بلغة تنظير، بل بلغة تجربة عايشها طويلًا؛ قراءةً وتأمّلًا وكتابةً وخطًا.”
■ كيف رأيت تفاعله مع المساجد والفضاءات الدينية في مصر؟
“المساجد كانت محطات تأمل، لا مجرد زيارات. في الأزهر، وفي مساجد القاهرة التاريخية، كان حريصًا على الجلوس بهدوء، ومتابعة التفاصيل المعمارية والنصوص القرآنية المنقوشة.
■ بوصفك صديقًا له، كيف تلخّص علاقته بالعربية والقرآن؟
“أستطيع أن أقول إن يوسف ليو باوجون يتعامل مع العربية كأمانة، لا كلغة أجنبية. ويقرأ القرآن كدليل لحياة متوازنة، لا كنص للبركة اللفظية فقط. هو مقتنع بأن من لا يفهم جمال لغة القرآن، يفوته فهم جزء كبير من روح الإسلام.”
رحلة تعليم عابرة للحدود
وُلد “يوسف ليو باوجون” في الصين، حيث تبلورت بذور اهتمامه باللغة والثقافة مبكرًا. تخرج عام 1987 من قسم اللغة الصينية بجامعة نورث ويست نورمال، حاصلًا على درجة بكالوريوس في الآداب، وهو تكوين لغوي وأدبي أرسى الأساس لمسيرته الفكرية اللاحقة.
غير أن المحطة المفصلية في حياته الأكاديمية كانت انتقاله إلى ماليزيا، حيث التحق بـالجامعة الإسلامية العالمية، وحصل عام 1998 على بكالوريوس مزدوج في علم الاجتماع، ثم استكمل دراساته العليا بنيل درجة الماجستير في التربية عام 2002. وفي 2021، واصل رحلته العلمية بوصفه طالب دكتوراه في معهد الحضارة الملايوية بـالجامعة الوطنية الماليزية، في مسعى يعكس التزامه العميق بفهم التداخل بين الثقافة والهوية والتاريخ.
يُعدّ الحاج “يوسف ليو باوجون” واحدًا من النماذج النادرة للمثقف العابر للحدود، الذي جمع بين البحث الأكاديمي، الكتابة، فن الخط، التصوير، الشعر، الترحال، ليصوغ مشروعًا ثقافيًا ممتدًا لأكثر من ثلاثة عقود، هدفه الأساس: بناء التفاهم بين الحضارات، وتحويل الجمال إلى لغة عالمية مشتركة.
خبرة مهنية وحضور دولي
على الصعيد المهني، عمل “يوسف ليو باوجون” باحثًا وكاتبًا وأستاذًا زائرًا في عدد من الجامعات المرموقة، من بينها جامعة الوسائط المتعددة، وجامعة مالايا، والجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، وجامعة هاينان في الصين خلال الفترة من 2004 إلى 2019.
كما يشغل منذ عام 2000 منصب رئيس الفرع الصيني للجمعية العالمية للصداقة الملايوية (DMDI)، إلى جانب كونه رئيس مجلس إدارة شركة CM Diverse SDN BHD، ونائب رئيس الرابطة العالمية لتبادل الكتاب الصينيين، ما يعكس امتداد تأثيره من المجال الثقافي إلى الفضاء المؤسسي والاقتصادي.
أربعون كتابًا.. وجائزة متجددة
منذ عام 1992، نشر “ليو باوجون” أربعين عملًا باللغات الصينية والإنجليزية والماليزية، تنوعت بين الدراسات التاريخية واللغوية، والأدب، والتوثيق الثقافي. ومن أبرز مؤلفاته: حزن عبور جبال تيانشان، لمحة عن مسلمي الصين في العالم، أحفاد الملايو في الصين، مساجد الصين في العالم، قاموس جاوي–صيني، دراسة معمقة لخط جاوي، المصطلحات العربية في اللغة الملايوية، إلى جانب أعمال أخرى تناولت التاريخ، اللغة، التراث، والبنية التحتية مثل تاريخ تطور السكك الحديدية الماليزية. وقد تُوّج هذا العطاء بحصوله على جائزة التميز في الكتابة الماليزية خمس مرات منذ عام 2019.
الخط.. فنٌ وقيم وحضارة
إلى جانب كونه مؤلفًا وباحثًا، يُعرف “يوسف ليو باوجون” بأنه خطاط بارع مهتم بفن الخط؛ خاصة الخط العربى؛ ويؤكد أن هدفه الأساسي من ممارسة الخط، على مدار أكثر من 34 عامًا وأكثر من 100 قراءة متأنية للقرآن الكريم، هو التعبير الجمالي عن المبادئ القرآنية وإلهام الإنسانية بها.
قلب المشروع الفكري والجمالي
لا يمكن فهم تجربة الحاج “يوسف ليو باوجون” الثقافية والفنية دون التوقّف طويلًا عند علاقته العميقة بالقرآن الكريم، التي لا تقتصر على الجانب التعبّدي، بل تمتد لتشكّل جوهر رؤيته للغة والجمال والحضارة. فالقرآن، في نظره، ليس نصًا دينيًا فحسب، بل مرجعٌ معرفي وجمالي وأخلاقي شامل، ومصدر إلهام دائم لفهم الإنسان والعالم.
على مدى أكثر من أربعة وثلاثين عامًا، قرأ “ليو باوجون” القرآن الكريم أكثر من مئة مرة قراءةً متأنية، لا بوصفه تكرارًا شكليًا، بل باعتباره فعل تأمل وبناء داخلي. وقد أسهم هذا الارتباط الطويل في تعميق فهمه للمقاصد القرآنية الكلاسيكية، لا من زاوية فقهية أو تفسيرية تقليدية، وإنما من زاوية جمالية حضارية، ترى في القرآن نصًا يوازن بين العقل والروح، وبين النظام والجمال.
لغة الوحي ومفتاح الحضارة
ينطلق “ليو باوجون” من قناعة راسخة مفادها أن اللغة العربية لغة مقدسة، لأن الله اختارها وعاءً للوحي القرآني. وهذه القداسة، في تصوره، لا تعني حصر العربية في نطاق ديني ضيق، بل تؤكد مكانتها لغةً قادرة على حمل المعاني الكونية الكبرى: الإيمان، العدل، الجمال، الرحمة، النظام الأخلاقي.
ويرى أن القرآن هو الذي منح العربية خلودها الحضاري، وحوّلها من لغة قوم إلى لغة أمة ورسالة. ومن هنا، يتعامل مع العربية ليس بوصفها لغة أجنبية يتعلمها، بل باعتبارها لغة مركزية لفهم روح الإسلام والتاريخ الإنساني. وقد انعكس هذا الإيمان بوضوح في مؤلفه «المصطلحات العربية في اللغة الملايوية»، حيث كشف عن التأثير العميق والدائم للعربية في التكوين اللغوي والثقافي للملايو، موضحًا أن اللغة ليست وسيلة تواصل فقط، بل وعاء ذاكرة وهوية.
تجسيد بصري للإيمان
في تجربة “يوسف ليو باوجون”، يتحول الخط العربي من مهارة فنية إلى فعل إيماني بصري. فهو يؤمن بأن جمال الخط يعكس جمال القيم التي يحملها النص، وأن كتابة الآيات القرآنية ليست رسمًا للحروف، بل تدريب للروح وانضباط للنفس. لذلك، يصف ممارسته لفن الخط بأنها محاولة مستمرة لترجمة فهمه للقرآن إلى لغة الجمال.
وقد سعى، عبر أعماله الخطية، إلى تجاوز الزخرفة الشكلية، والتركيز على جوهر الحرف القرآني، من حيث التوازن، والانسجام، والسكينة. ويؤكد أن أعظم ما في الخط القرآني هو قدرته على إيصال المعنى حتى لمن لا يقرأ العربية، لأن الجمال الصادق لغة عالمية.
ولا يكتفي “ليو باوجون” بالخط العربي وحده، بل يتقن الخط بسبع لغات عالمية، غير أنه يضع الخط العربي في مرتبة خاصة، كونه مرتبطًا مباشرة بالوحي، ومحمَّلًا بتاريخ طويل من الإيمان والعلم والفن.
وحدة واحدة
يؤمن “يوسف ليو باوجون” أن القرآن لا ينفصل عن تهذيب السلوك وبناء الإنسان المتوازن. فالالتزام الجمالي في الخط، والانضباط الجسدي في الفنون القتالية، والصدق في الكتابة، كلها أبعاد مترابطة في منظومة واحدة. ومن هنا، يربط بين الإيمان القرآني والعمل، معتبرًا أن الإيمان الحقيقي يظهر في الإنجاز، لا في الادعاء.
ويرى أن قراءة القرآن بعمق تحصّن الإنسان من السطحية والغرور والكسل، وهي أخطر آفات العصر. لذلك، يدعو دائمًا إلى: العمل أكثر والكلام أقل، تهذيب النفس قبل نقد الآخرين. تحويل القيم القرآنية إلى سلوك يومي. الجمع بين القوة الجسدية والصفاء الروحي.
جسر تواصل حضاري
في خطابه الثقافي، يرفض “ليو باوجون” توظيف اللغة العربية أو الإسلام كأدوات صراع أو تفوق عرقي. على العكس، يرى أن “العربية”، بوصفها لغة القرآن، لغة تجمع ولا تفرّق، وتفتح أبواب التعارف بين الشعوب. ومن هذا المنطلق، يسعى باستمرار إلى تعزيز الترجمة المتبادلة بين العربية والصينية والماليزية، مؤمنًا بأن الحوار بين الحضارات يبدأ باللغة.
بالنسبة للحاج “يوسف ليو باوجون”، القرآن ليس كتاب طقوس، والعربية ليست لغة تراث فقط، والخط ليس ترفًا فنيًا. إنها كلها مسارات متكاملة لفهم الإنسان وتهذيب العالم. ومن خلال هذا الفهم العميق، استطاع أن يقدّم نموذجًا هادئًا لمثقف مسلم معاصر، يرى في قدسية اللغة العربية مسؤولية أخلاقية وجمالية، لا سببًا للانغلاق، وفي القرآن دعوة دائمة للعمل والبناء والجمال.
وقد شملت أعماله الخطية شخصيات رفيعة المستوى، من بينها سلطان بروناي، د. مهاتير محمد، ورؤساء وولاة في ماليزيا وإندونيسيا وجزر المالديف.
“العربية” في الملايوية
يعد كتابه «المصطلحات العربية في اللغة الملايوية» واحدًا من أبرز إسهاماته الحديثة، إذ وثّق فيه نحو ألفي كلمة ملايوية ذات أصل عربي، كاشفًا عن العمق الحضاري والتاريخي للتأثير العربي في العالم الملايوي.
وقد حظي الكتاب بإشادة واسعة، من بينها رسالة خاصة من رئيس الوزراء الماليزي السابق د. مهاتير محمد، أثنى فيها على الجهد العلمي المبذول في خدمة اللغة والثقافة الملايوية.
■ كلمة أخيرة؟
“خلال الرحلة، أدركت أن اهتمامه بالعروبة واللغة العربية ليس موقفًا ثقافيًا، بل نتيجة إيمان عميق بأن الجمال الحقيقي يولد من الوحي، وأن الحضارات تلتقي حين نحترم لغاتها المقدسة.”
ختاماً: يوسف ليو باوجون ليس مجرد كاتب أو خطاط، بل مشروع ثقافي متحرك، يربط الصين بالعالم الملايوي، ويصل الشرق بالشرق، عبر المعرفة والجمال والحوار. وفي عالم مضطرب، تبدو تجربته دعوة هادئة ولكن عميقة: أن الحضارات لا تتصادم، بل تتحاور، متى وُجد من يُحسن الإصغاء والكتابة والخط.





























