لا شيء أعظم من الهداية، وهي مِنّة يمُنُّ الله بها على من يشاء من عباده، يقول سبحانه: ”أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ”، والمسلم يقرأ سورة الفاتحة في صلاة الفريضة كل يوم سَبْع عشرة مرة، فضلًا عن قراءتها في النوافل وغيرها، وفي كل مرة يطلب الهداية من الله، فيقول: “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ”.
وفي مطلع سورة البقرة وصف ربّنا القرآن بأنه هُدى للمتّقين، يقول سبحانه: “ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ”، أي أن في القرآن إرشادًا للمتقين لما فيه صلاحهم وفلاحهم في معاشهم ومعادهم، وكأن الله عندما سألناه الهداية في سورة الفاتحة يجيبنا في الآية الثانية من سورة البقرة بأن سبيل هذه الهداية هو القرآن الذي أنزله سبحانه هدى ونورًا وضياء ورحمة وشفاء لما في الصدور.
والهداية في القرآن نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهي مهمة الأنبياء والمرسلين والعلماء المصلحين، حيث يقول سبحانه لنبينا: “إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ”، أي: لكل قوم هاد يدلّهم ويُرشدهم إلى طريق الرشاد، ويقول: “وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ* صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ”، وهي الهداية العامة بإبانة طريق الحق والرشاد، وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى: ”وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ”، والمعنى: بيَّنا لهم طريق الحق من الضلال، ووضَّحنا لهم طريق الرشد من الغي، فسلكوا سبيل الغي لا الهدى والرشاد، فكان عاقبة أمرهم خسرًا .
والثاني من أنواع الهداية: هو هداية تأييد وتوفيق، وقد تفرَّد بها المولى، حيث يقول سبحانه: “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”، فالهداية هنا بمعنى التوفيق لاتباع سبيل المؤمنين، وهي فضل من الله على عباده بتوفيقهم إلى طاعته، وتيسيره سبيل النجاة والفلاح لهم، حيث يقول سبحانه: “وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”، ويقول: “فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ”، ويقول: ”أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ* وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ”، ويقول: ”مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ”.
وكما أن هناك توفيقًا للهداية فإن هناك توفيقًا آخر للثبات على هذه الهداية والترقّي في درجاتها حيث يقول سبحانه: “وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ”، وقال: “نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى”، ويقول نبينا: “فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ” (صحيح البخاري)، أي لأن يجعلك الله سببًا في هداية شخص واحد خير لك من الدنيا وما فيها .
ونؤكّد أن دور العلماء هو الإرشاد والبيان لا الهداية ولا الحساب، أما الهداية الحقيقية فأمرها إلى من أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، وأما الحساب فهو من الله وحده دون سواه، حيث يقول سبحانه: ” فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ”.






























