في ظل تزايد الحديث عن الحسد والعين والسحر، تتجدد التساؤلات حول الفارق بين الرقية الشرعية القائمة على أسس دينية صحيحة، وبين ممارسات الدجل والشعوذة التي تنتشر مستغلةً حاجات الناس ومخاوفهم. فالعين حق، كما ورد عن النبي ﷺ أنها قد تُدخل الرجل القبر، وقد بيّن القرآن الكريم سبل الوقاية والعلاج منها، من خلال قراءة المعوِّذتين وآية الكرسي، مع اليقين التام بأن الله وحده هو الشافي المعافي.
ورغم أن الحسد والعين قد يقعان دون قصد من الإنسان، فإن بعض الباحثين حاولوا تفسير هذه الظاهرة بعيدًا عن الخرافات، معتبرين أنها شكل من أشكال التأثير النفسي أو الطاقي غير المفهوم بالكامل حتى الآن. وقد أشار بعضهم إلى وجود ما يُعرف بـ”الهالة” التي تحيط بجسد الإنسان، والتي تتأثر بالعوامل الخارجية، وتنعكس بدورها على حالته الجسدية والنفسية. ولم يقتصر الحديث عن العين على الإسلام فقط، بل ظهر أيضًا في ديانات وثقافات قديمة، وإن اختلفت المسميات والتفسيرات.
في المقابل، يختلف السحر عن الحسد من حيث القصد والتأثير؛ فهو يُمارَس عمدًا بغرض الإيذاء وتعطيل شؤون الآخرين. وقد ورد ذكر السحر في القرآن الكريم في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: “وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ” [البقرة: 102]، وكذلك قوله تعالى: “سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ” [الأعراف: 116]. ومع ذلك، يظل التأكيد القرآني حاضرًا بأن الضرر لا يقع إلا بإذن الله، كما في قوله تعالى: “وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ” [البقرة: 102].
ومع التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، اتسعت دائرة التأثير لتشمل فئات أوسع من المجتمع، حيث استغل بعض مدّعي الرقية الشرعية هذا الفضاء المفتوح للوصول إلى الناس، مستفيدين من ضعف الوعي لدى البعض، أو من مشاعر القلق والعجز التي تدفعهم للبحث عن حلول سريعة. وقد اتخذ هؤلاء من الرقية ستارًا لممارسات تجارية تدر أرباحًا طائلة، مستخدمين مسميات خادعة مثل “الراقي الشرعي” أو “الداعية الإسلامي”، دون أن يكون لهم أي انتماء حقيقي لمؤسسات دينية معترف بها.
هذا الواقع يفرض ضرورة التمييز بين الرقية الشرعية الصحيحة، التي تقوم على القرآن والسنة دون مغالاة أو استغلال، وبين الدجل الذي يتخذ من الدين غطاءً لتحقيق مكاسب مادية. فالراقي الحقيقي لا يجعل من الرقية وسيلةً للتربح، بل يكون على قدر من العلم الشرعي، ومرتبطًا بجهات دينية موثوقة، كالأزهر الشريف أو وزارة الأوقاف.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الشفاء بيد الله وحده، وأن التوكل عليه واليقين برحمته هما الأساس في مواجهة كل ما قد يصيب الإنسان، بعيدًا عن الانسياق وراء أوهام الدجالين أو استغلالهم لمعاناة الناس






























