بين طيّاتِ الوجود وحنايا الروح وخبايا المواقف وطوارئ الحياة وأحداثها المتسارعة تتقلّبُ النفسُ البشريّةُ بين ضياءِ الأملِ وظلماءِ اليأس، إنها “النفس” ذلك المحراب المكنون الذي حقه أن يكون آمنًا، بعيدا عن الصراع، فلا يوهنها شعور بضيق، أو تهونها قسوة في المعاملة، أو غلظة موقف أو حدث، فلا يكون الإنسان جلادًا لنفسه أو سجانًا يحبسها فلا تتمتع بجمال الحياة، فيحبس طاقتها وحيويتها وسعادتها جراء لحظةٍ يظنّ فيها العبدُ أنَّ الدربَ قد سُدَّت مخارجه، وأنَّ ليلَ الهمِّ لا فجرَ له.
فيا أيها الغارق في لُججِ الأحزان، تنبه فإن نفسك أمانة، نفسك هي المحراب المقدس الآمن، المحفوف بسياج الحماية الإلهية ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، سياج حماية يمثل قانون الوجود الإنساني، فنفسك قد استودعكَ إياها خالقها وباريها، وديعةٌ غاليةٌ تسري في جسدك، ومنحة الباري ونعمة منه أمرها بيده سبحانه، فكن راعيها تقربا وعبادة لمبدعها القائل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فمن قيم الإحسان أن تكون أمينًا على النفس، فلا تجرها لإدمان أو إيذاء أو ضرر، أو تلقي بها في أتون الأحزان، أو تحرقها بالهموم والكروب، فاعبد ربك وتقرب إليه ناظرًا إلى النهي الإلهي: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ متأملا ختامها ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ لترى أنها نعمة أخرى من نعم الربوبية، وفيض من فيوضات مناح الحياة، رحمة إلهية إذا استقرت في النفس هان كل حزن، وزال كل هم، وأمسكت النفس بخيط الأمل في البقاء لتنعم بحياة تسير بقدر الله وأمره.
إن الحرص على النفس ليس أنانية، بل معاملة راقية مع المحراب الآمن المودع فيك، فالنفس محراب يسكنه العقل والشعور والذاكرة والوجدان، والحرص عليها أكبر وأعظم من الحرص على الأماكن والمدخرات والمقتنيات الثمينة الفاخرة، فتضييع هذه الأشياء له حرمة ويوصف مضيعها بالسفه، ولكن النفس أغلى وأعلى؛ وتفوق في حرمتها حرمة الثمين والغالي في منظور الإنسان؛ لأنها المكان الذي اختاره الخالق ليبث فيه من روحه، فهي أشد حرمة: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ إنه تعظيم للنفس في ميزان الخالق البارئ المصور.
ابحث عن ترياق الشفاء، ونور الهداية بالقرب من ربك مانح الحياة، ودعك من وسوسةُ النفسِ الأمارةِ بالسوء، فر من الغمامة السوداء التي أحدثتها الطوارئ والصدمات والمفاجآت، أقم شراع حياتك واستعد طاقتك وحيويتك في وجه أعاصير الأحزان، وقف كالشجرةً في مهبِّ الإعصار؛ قد تنحني أغصانُها، وقد تتساقطُ أوراقُها، وقد تُجرحُ قشرتُها بفعلِ الرياحِ العاتية، لكنَّ العاقلَ هو مَن يتشبثُ بجذورهِ النابعة من اليقين بالله، ورحمته ولطفه ومنته، فيصبر ويتقوى بذكر الله والطمأنينة به، فيكون مثالاً يحتذى واعظًا بحاله من غير مقال، يدهش المحيطين، ومنه يتعجبون: “عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له” [رواه مسلم]، فحال السراء يقابله بشكر لله، إعلان منه عن متعته بنعمة الله، وحال الضراء يقابله بالصبر، إعلان منه عن جمال النفس ورضاها، وهذا فيه رفعة وثواب مكنون ومدخر لا يعلم مداه إلا الله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
النفس محراب آمن مقدس، والبلاء يقع ويفوت بالصبر والاحتساب، والعاقل من يستعصم بالله، ويتذكر أسرار رحمة الله ولطفه ومنته وفيضه ووعده باليسر بعد العسر، ويستقر في قلبه أن كل أمر من هم أو حزن أو مكروه إنما هو تحت سر من أسرار ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82] فلتنعم النفس بهذه الأنوار.































