تُعرف الواعظة جيهان عبدالعزيز بدر، بإدارة أوقاف البحيرة، بلقب “سما الشاطبي”، فلسفتها في الحياة أن (العمل الطيب غرسٌ مبارك)، وفى السطور التالية نتعرف عليها أكثر، ولماذا تحب هذا اللقب؟
حيث تقول عن نفسها: لقد أخبرنا النبي ﷺ أن حتى الحوت في البحر، والنملة في جحرها، لتستغفر لمعلّم الناس الخير. ولم يَشترط أن يكون معلّم الخير داخل مدرسة، بل قد يكون ناصحًا، موجهًا، صاحب فضلٍ وكلمة طيبة.
تستطرد: كانت بداية عملي كمعلمة في مدرسةٍ ابتدائية، أدرّس مادة الرياضيات. وانطلاقًا من رسالة التربية التي تسبق التعليم، كنت أحرص على أن أبدأ حصتي بعشر دقائق أتحدث فيها عن القيم والأخلاق، وأغرس في نفوس تلاميذي السلوكيات الصحيحة، وأقرّبهم من دينهم، وأعلّمهم كيف يكونوا نافعِين لمجتمعهم، وكيف يعيشوا في إطارٍ ديني معتدل ومترابط.
كنت إذا انتهيت من حصتي، ودخلتُ حصةً احتياطية بدل معلمٍ غائب، استثمرتُ الوقت في النصح والإرشاد، ثم أختم بمسابقةٍ تشجّعهم على ذكر الله، مع جائزةٍ بسيطة تُدخل السرور إلى قلوبهم. ومع مرور الوقت، بدأت ألحظ تغيرًا واضحًا في سلوكهم، وازديادًا في التزامهم، وحرصًا على الظهور بالمظهر الطيب الذي كنت أتمناه لهم.
ثم انتهى العام الدراسي، وانتقلتُ إلى مدرسةٍ أخرى لذوي الاحتياجات الخاصة. وبعد فترةٍ من انتقالي، أخبرني بعض الزملاء أن أحد تلاميذي كان يسأل عني بشغف، ويردد: “أين معلمتي؟ أريد أن أراها”.
ذكريات ومواقف

تضيف سما الشاطبي: ومضت السنوات، وظلّ أولئك التلاميذ في ذاكرتي، وكان من بينهم طالبٌ متميز، شديد الانتباه لكل كلمة، متأثر بكل نصيحة، تظهر عليه علامات النبوغ، ويُحسن تطبيق ما يتعلمه.
وفي يومٍ من الأيام، وبينما كنت أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، وقعت عيناي على صورة طبيبٍ ناجح، وقد تغيّرت ملامحه، لكن اسمه أعاد إليّ الذكريات، إنه هو! تلميذي الذي عرفته صغيرًا، قد أصبح طبيبًا لامعًا. فدعوتُ له من قلبي بالبركة والتوفيق.
وفي اليوم نفسه، كنت أُلقي درسًا في تحفيظ القرآن الكريم بإحدى الجمعيات الخيرية، وكنت أتحدث عن أثر الكلمة الطيبة في تربية النشء، وأن ما نغرسه في أبنائنا لن يضيع، بل سيؤتي ثماره يومًا ما.
فبادرتني إحدى الحاضرات قائلة: “هذا الطبيب هو تلميذك، وقد أخبرتني والدته أنها لما علمت أنكِ من علّمته، دعت لكِ، وقالت إنكِ شاركتِها في تربيته تربيةً صالحة، حتى حفظ القرآن، وأصبح طبيبًا ناجحًا متفوقًا.”
ولم تمضِ أيام حتى تلقيتُ اتصالًا منه، يقول فيه: “معلمتي، لم أنسَ، ولن أنسى كيف غرستِ فينا حب الخير، أنا في ميزان حسناتك.”
كانت كلمات أبكتني، على قدر ما أسعدتني. فرفعتُ يدي إلى الله قائلة: “ربِّ إني لما أنزلتَ إليّ من خيرٍ فقير”. والحمد لله الذي أكرمني بأن أرى ثمار ما زرعت، والحمد لله الذي أعانني أن يكون لي سهمٌ في إعداد شابٍ صالحٍ نافعٍ لدينه ووطنه.
إن الكلمة الطيبة شجرةٌ مثمرة، وهي صدقة، ولها أثرٌ وتأثير. فالأثر هو الثمرة التي نراها، أما التأثير فهو ما نغرسه من قيمٍ ومبادئ في النفوس.
وكما ذكرنا، فإن معلم الناس الخير له فضلٌ عظيم، حتى إن الحوت في البحر، والنملة في جحرها، لتستغفر له.
إسم على مسمَّى
* مَن سما الشاطبى؟ ولماذا هذا اللقب؟
**بداية شيوخى هم من أطلقوا على الاسم بعد رؤيا صالحة للإمام الشاطبي. وبلا تزكيةً ولا ادّعاءً، بل بوح صادق يخرج من قلبٍ يعرف نقاءه كما تعرف السماء صفاءها.
“سماءُ” قلبها صافٍ كصفاء السماء، وروحها نقية شفافة، ترى الجمال في كل شيء، وتؤمن أن الخير ما زال يسكن القلوب. لا تعرف طريق الانتقام، ولا تجيد إيذاء أحد، طيّبةٌ حدّ البراءة، وربما لهذا لا تُحسن أخذ حقها، لكنها تؤمن أن الله لا يضيع حقًّا، وأن العدل عنده آتٍ لا محالة.
لا تحب أن تتحدث عن نفسها كثيرًا، خشية أن يُظن بها ما ليس فيها، لكنها إنسانةٌ مسلمةٌ تؤمن برسالتها، وتعيش لأجلها. تحمل في قلبها حبًّا صادقًا للخير، لا تريده لنفسها فقط، بل تتمناه لكل الناس؛ تتمنى أن يسعد الجميع، وأن يعيشوا بكرامة، وأن يفهموا دينهم فهمًا صحيحًا، وأن تمتلئ حياتهم نورًا وهداية.
العلم أمانة
*وما هي الرسالة التي تريدين توجيهها؟
**سما الشاطبي صاحبة رسالة، ترى أن العلم أمانة، وأن ما تعلّمته لا بد أن يُبلّغ، فتسعى أن تنشر الخير، وأن تدلّ على الله ورسوله بكل صدقٍ وإخلاص. تحب الصالحين، وتتمنى أن تكون منهم، أو أن تُحشر في زمرتهم، كما قال الإمام الشافعي: “أحب الصالحين ولستُ منهم”، لعلّها تنال بدعائهم وشفاعتهم.
حلم السلام
*ما هو حلمك في حياتك؟
**تحلم بعالمٍ يسوده السلام، عالمٍ يخلو من الجوع، ومن الكراهية، ومن الظلم، عالمٍ يعمره الحب والعدل، ويجتمع فيه الناس على طاعة الله، وحبّ الحياة في ظل رضاه. ترى أن الدنيا قد تكون جنةً لو صلحت القلوب، وتآلفت الأرواح، واقتربت من خالقها.
ومنذ صغرها، كان في قلبها حلمٌ كبير: أن تحفظ القرآن الكريم. خرجت أول مرة من بيتها وهي صغيرة لتتعلّم، وتاهت يومها، فعادت والقلق يحيط بها، لكن الحلم لم يتلاشَ، بل ظلّ يكبر معها، يسكن قلبها، ويلازمها في كل مراحل حياتها.
حتى جاء الوقت الذي شاء الله فيه أن يتحقق الحلم، فكان تحقيقه يسيرًا بمعونة الله، عظيمًا في أثره. حفظت القرآن، بعد تعبٍ وسهرٍ ودموع، لكنها كانت دموعًا لم تذهب سدى، بل كانت طريقًا إلى نورٍ امتلأ به قلبها.
وتدعو ربها دائمًا: “اللهم اجعل عملي خالصًا لوجهك الكريم، وتقبّل مني كل سعيٍ وخطوة.”
سماءُ تؤمن أن أعظم ما يمكن أن يقدّمه الإنسان هو أن ينفع غيره، وأن يكون سببًا في هدايته. لذلك تدعو كل مسلم إلى التمسك بدينه، وحبّ القرآن، والعيش في رحابه، وأن يُغيّر المنكر ولو بكلمة، فالكلمة أضعف الإيمان، لكنها قد تكون أعظم أثرًا.
تلك هي سماء، قلبٌ معلّقٌ بالله، وروحٌ تسعى للنور، ورسالةٌ تمشي على الأرض.






























