نشأت في أسرة قرآنية.. وقصتي رحلة عبرٍ ونِعَم إلهية
أصبحتُ قارئًا بالأوقاف وأنا في سن السادسة عشرة
حصلت على العديد من الإجازات في القراءات العشر
تعلمتُ المقامات على أيدي كبار الأساتذة
تشرفتُ باعتمادي قارئًا احتياطيًا بمسجد السيدة زينب
حوار – محمد الساعاتي:
استطاع القارئ الشيخ محمود محمد الصعيدي، ابن قرية كوه الحصة بمركز كفر الزيات بمحافظة الغربية، أن يتحدى الصعاب دون أن يلتفت إلى إعاقته، بل جعلها دافعًا للتقدم نحو العالمية.
التقت به “عقيدتي” عقب انطلاق صوته قارئًا بإذاعة القرآن الكريم، ووصوله إلى مرحلة المشاركة في الأمسيات الدينية الإذاعية، وأجرت معه الحوار التالي؛ لرصد رحلته مع كتاب الله وتحقيق حلم حياته.
نريد أن تعرّف نفسك لجمهور دولة التلاوة؟
أقول لهم مبتدئًا بحمد الله الذي حباني بحمل أمانة القرآن، متعلمًا على يد الأعلام، حتى صرت معلّمًا لغيري في القراءات العشر. كما شرّفني ربي بالالتحاق بعضوية نقابة قراء القرآن والمحفظين العامة بمصر، ثم أصبحت قارئًا بوزارة الأوقاف المصرية، ثم شيخًا لحلقة تحفيظ بالأوقاف، ومدرسًا للقرآن بالأزهر الشريف.
بداية مبكرة
هل تطلعنا على المناخ الأسري الذي كان سببًا في إسعادك بوجود القرآن في حياتك؟
قصتي بدأت قبل ولادتي، حيث كان جدي محمود يعمل خادمًا للقرآن والدعوة في المسجد الشرقي ببلدتنا، وكانت حالته الاجتماعية بسيطة جدًا، وبالرغم من ذلك كان يعتز بكونه خادمًا في بيت الله، ولا يأخذ أجرًا على ذلك ابتغاء وجه الله تعالى.
آية عند الولادة
قصتك تحمل الكثير من العبر.. نود التعرف عليها؟
حدث بالفعل أنه بعد زواج والدي بابنة خاله، ظلت والدتي 13 عامًا لا تنجب. وشاء القدر الإلهي أن يتوفى عمي (علي) قبل زفافه بأيام، وكان قد عُقد قرانه، فكان قدر الله نافذًا بوفاته قبل إتمام الزواج. وهنا أصر والده ووالدته على زواج والدي من العروس، ورغم رفض والدي في البداية، إلا أنه وافق أمام إلحاح جدي وجدتي، فتزوجها، وأنجب منها أربع بنات.
وفي الوقت نفسه، كان والدي يتابع علاج والدتي، وفوجئ الطبيب المعالج يقترح إجراء جراحة بتكلفة ألفي جنيه. فاقترح والدي إخراج 700 جنيه تبرعًا للمعهد الأزهري الذي كان يُبنى في القرية، وبالفعل دفع المبلغ. وسبحان الله، عندما عاد يوم افتتاح المعهد، فوجئ بوالدتي تعاني تعبًا شديدًا، فاصطحبها إلى الطبيبة التي أخبرته بأنها حامل. وعمت الفرحة منزلنا، خاصة أنني جئت إلى الدنيا بعد 18 عامًا من الزواج.
أما العبرة الثانية، فقد رأت والدتي في رؤيا أنها ولدت ابنًا معاقًا له شعر كثيف يطير في الهواء، ففسرها أهل الخير بأنه سيكون له شأن عظيم، وسيكون معه شيء يحتاج إليه الناس. وفي الليلة الأولى من شهر رمضان الموافق 16-4-1989م، جئت إلى الدنيا وسط دهشة أهل القرية، بعد زواج دام 18 عامًا.
أما العبرة الثالثة، فكانت بعد شهرين من ولادتي، حيث ارتفعت حرارتي، وذهبت بي أسرتي إلى طبيب كتب لي حقنة خاطئة، أدت إلى شلل تام في النصف الأسفل من جسدي. فأجرى لي والدي عملية جراحية في ساقي الأيمن، وكنت أخضع لجلسات علاجية مستمرة، والحمد لله تعافت ساقي اليسرى، وبقيت الإعاقة في الساق اليمنى.

سيرة ومسيرة
حدثنا عن سيرتك ومسيرتك مع القرآن الكريم؟
كان جدي، رحمه الله، يصطحبني إلى المسجد دائمًا. وفي أحد الأيام، وكان عمري ثلاث سنوات، مرّ الشيخ أحمد حويزي على محل والدي (تاجر أقمشة)، وكان يعمل في خدمة المسجد. وحكى لي والدي أنني عندما رأيته مرتديًا العمامة، بكيت وقلت: “أنا عاوز عمامة”، فأعطاه الشيخ عمامة، فقام والدي بقصها وتفصيلها على مقاسي، وكنت أرتديها يوم الجمعة وأذهب إلى المسجد.
وكان جدي يعشق العطور، فكان يعطيني زجاجة عطر لأمرّ بها على المصلين. وكان والدي يعشق تلاوة الشيخ محمد عبد العزيز حصان، فكان يشغّل شرائطه في الدكان، وكنت أسمع الناس تقول له: “الله يفتح عليك يا سيدنا”، فتمنيت منذ طفولتي أن أصبح مثله.
اصطحبني والدي إلى كُتّاب الشيخ عبد الرؤوف الشنشوري، وكان شديدًا في التعليم، حتى حفظت القرآن. ثم انتقلت إلى كُتّاب الشيخة روحية الجداوي لقربه من منزلنا بسبب ظروفي الصحية، وأتممت الحفظ على يديها.
وفي سن السادسة، التحقت بالأزهر الشريف، وكان الأساتذة يشجعونني على القراءة. وفي الصف السادس الابتدائي، طلب مني أحد الأساتذة أداء نشيد “مصر التي في خاطري”، فكنت أؤديه مثل أم كلثوم، فنصحني بتوظيف هذه الموهبة في قراءة القرآن.
كما كنت أشارك في التواشيح الدينية، وفي أحد الأيام قرأت في ميكروفون المسجد لأول مرة خلال عقد قران، ومنذ ذلك الحين بدأت القراءة في المناسبات. وعندما بلغت السادسة عشرة، تقدمت بطلب لأكون قارئًا للسورة بالأوقاف، ورغم صغر سني، تم قبولي بعد استيفاء الشروط.
مسابقة الأزهر
ما قصتك مع مسابقة الأزهر؟
تقدمت لمسابقة الأزهر، وكنت من العشرة الأوائل على مستوى الجمهورية في حفظ القرآن الكريم. وبعد زواجي بشهر، تقدمت للعمل مدرسًا للقرآن بالأزهر، وحصلت على 99% في الاختبارات، وأصبحت مدرسًا بعد ثلاثة أشهر من الزواج، فجمعت بين كوني زوجًا وأستاذًا وتلميذًا.
قارئ بالإذاعة
ما قصة التحاقك بالإذاعة؟
التحقت قارئًا بالإذاعة في ديسمبر 2019، واجتزت اختبارات الصوت، ثم اختبار القرآن كاملًا في فبراير 2020، ووصلت إلى مرحلة الأمسيات الدينية، وأنتظر الظهور على الهواء قريبًا بإذن الله.
وقد حصلت على العديد من الإجازات في القراءات العشر، وقرأت القراءات كاملة بالإفراد على فضيلة الشيخ ربيع عبد الواحد علام، حفظًا عن ظهر قلب، إضافة إلى إجازات في متون العلم.
علم المقامات
تعلمت علم المقامات والموسيقى على أيدي أساتذة كبار، وشرفني الله بأن أكون قارئًا احتياطيًا بمسجد السيدة زينب رضي الله عنها بالقاهرة. كما أنعم الله عليّ بذُرية صالحة: أحمد، ومحمد، ومريم، ويوسف، وقد وهبتهم جميعًا للقرآن الكريم، وأسأل الله أن يحقق أملي فيهم.
وقد شرفني الله بتعليم عدد من الطلاب، منهم القارئ الإذاعي الشيخ محمود محمد القزاز، كما درس على يدي رواية السوسي عن أبي عمرو القارئ الإذاعي الشيخ أحمد السيد الغيطاني، وغيرهم كثير بفضل الله.































